أكد أكاديميون أن عملية الاستقطاب وغسل الأدمغة تستهدف بشكل أساسي الشباب الذين لا يملكون الوعي الكافي فيتحوّلون إلى قنابل موقوتة تفتك بالأبرياء، مشدّدين على أنّ حماية الفئات الشابة وتحصينهم لا يتم إلا بالفكر والمنطق والتوعية، مطالبين الأسر باعتبارها اللبنة الأساسية في التربية بالتركيز على التنشئة الاجتماعية القائمة على الاعتدال والتسامح والوسطية.. فيما تأتي الخطوة الثانية من المدارس التي ينبغي أن تعلم الطلبة وتبصرهم بضرورة الاحتكام دوماً إلى العقل والمنطق إضافة إلى غرس قيم الولاء والانتماء في النفوس.

وأوضح خبير التنمية البشرية د. ممدوح مختار علي (دكتوراه في الطب السلوكي) المعادلة بخطوات قائلاً: «منذ فجر التاريخ استطاع الإنسان أن يجند مجموعة من الناس تتميز ببعض الصفات السيكولوجية لتنفيذ أفكاره دون أن يقوم هو بالفعل الحقيقي. ومنذ ذلك التاريخ أصبح لدينا مجموعة من البشر يتحكمون بطريقة إرادية أو لا إرادية في عقل وفكر ووجدان وربما قرار الآخرين ويستغلونهم لتنفيذ هذه الأجندة المعنونة باسم: «اكتساب الأفكار وتنفيذ العمليات». وفي العصر الحديث وتحديداً من منتصف السبعينات من القرن المنصرم ظهر شكل جديد أو متجدد من ألوان الفكر السياسي المختلط بالإطار الديني وهذا ما يصطلح بتسميته الإسلام السياسي.

وأضاف إن هناك «مجموعة من البشر يحاولون التأثير بكل أشكال التعليم الاجتماعي والنفسي لإكساب أفكار متطرفة تبعد عن صحيح الدين والفكر المستقيم ومن المشاهد أنهم يتبنون فكرة المدرسة الدينية بمعنى يأتيهم الطالب ليتعلم علوم القرآن والحديث وسرعان ما يوافق الأهل ثم بعد فترة زمنية تجدهم قد تبنوا أفكاراً مختلفة عما قد أعلنوه منذ البداية وقاموا بتجنيد هؤلاء الصغار أو بواكير الشباب ليتبنوا أفكاراً ضد المجتمع متخذين من الإسلام ستاراً لإخفاء النوايا الحقيقية وهي فكرة الآمر الناهي الذي لا يستطيع أن يعصاه أحد لأنه القائد أو المعلم ويصور لهؤلاء الشباب أن الجنة بكبسة زر يقوم بها عندما يفجر حزامه الناسف». وردف القول: «من المدهش هنا أنه يقنع الشاب الذي قد تم تغييبه عقلياً بل وربما استخدم معه أداة من أدوات علم النفس وهي التنويم المغناطيسي».

خطوات عملية

وأوضح د. ممدوح مختار أنّ هناك «خطوات مرشحة لتفادي وقوع هؤلاء الشباب الفتيان في براثن هؤلاء الأعداء وأعني بالكلمة أعداء الدين والوطن وأعداء السلام أبرزها ضرورة رجوع التنشئة الاجتماعية الأولية في الأسرة إلى ما كانت عليه»، داعياً إلى تعاظم دور الأب وعدم الإشباع الفوري لكل متطلبات الشباب فلا بد من أن يكون هناك تلبية لكن تحت مبدأ الإرجاء وليس الإشباع الفوري. وطالب بـ «مخطط ممنهج في الساحة التعليمية بشكل مقصود ومباشر وآخر غير مقصود وغير مباشر يتحدث عن كيف تغرس هذه الأفكار وكيف يتم مقاومتها عن طريق ندوات ثقافية وتوعوية لأن الخطر، كما يقول، داهم وخطير، إضافة إلى تركيزه على أهمية انخراط الشباب في أعمال ذات صبغة وطنية عسكرية». ويتابع القول: «هنا علينا أن نثمن القرار الصائب والشجاع بإدخال الخدمة الوطنية الإلزامية في الإمارات».

ويرى . مختار (المتخصص في الطب السلوكي) أنّه يجب محاولة تفهم مشكلات الشباب عموماً ومشكلات الوطن وبالتنسيق مع الأهداف الأخرى يمكن حماية الشباب.

أما عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الاجتماعية في جامعة الشارقة د. أحمد العموش فركز على دور الأسرة التي قال إنّ عليها أن تعي أهمية التنشئة الاجتماعية السليمة القائمة على مبدأ الحوار والتسامح وزرع القيم المعتدلة في نفوس الأبناء بعيداً عن التنشئة الاستبدادية، لأن غالبية من ينخرطون في أفعال ضد القانون ينتمون لأسر لم تقم بواجبها التربوي بشكل صحيح أو لأسر مفككة.

وذكر د. العموش أنّ ضمير الطفل يتشكل في الأربع سنوات الأولى من حياته لذا ينبغي غرس مفاهيم المحبة والخير فيه»، وهنا يركّز الأستاذ الدكتور العموش على دور المدرسة في غرس قيم الولاء والانتماء في نفوس الطلبة وربطهم بالوطن مع تشجيع العمل التطوعي ونشر ثقافته بين صفوفهم.

سلاح الدين والمال

وقال د. العموش إنّ الجماعات المتطرفة «تستغل دوماً جهل وقلة وعي وثقافة الشباب ويكونون بذلك الصيد السهل لهم... فتارة تستخدم سلاح الدين وتارة أخرى سلاح المال والجاه متكئة إلى ضعف الثقافة وضعف الوازع الديني.

وأوضح عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الاجتماعية في جامعة الشارقة أنّ العديد من الدراسات المختصة أظهرت أن الشباب المغرر به هم وقود هذه الجماعات الإرهابية، لذا فإن العموش يشدّد على أنّه «لابد من ترسيخ الوسطية والاعتدال والتسامح والمحبة والتعايش السلمي في أوساط المجتمع»، ونبه إلى تعزيز الوازع الديني، معتبراً دور المساجد مهماً للغاية في التوعية والوعظ والإرشاد وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع. وطالب بتنفيذ حملات توعية لهذا الخطر المحدق والتحذير من مغبة الانزلاق مع تلك الجماعات، وفضح طرق استدراجهم وتأكيد حرمة قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن الدين الإسلامي دين عدل وسلام ومحبة.

فكر أسود

التصدي لهذا الفكر الأسود من وجهة نظر فاطمة السجواني المتخصصة في علم النفس أصبح ضرورياً «ولا يمكن أن نحاربهم إلاّ عبر التنشئة السليمة التي يأخذ بها الأم والأب أدوارهم الصحيحة»، مشيرة إلى أن بناء الإنسان هو القوام الصحيح لتجاوز أي تحدٍ إضافة إلى تأكيدها على أهمية وجود جيل متعلم مثقف يدرك قيمة العلم.

واعتبرت السجواني أنّ تحصين الشباب من أيديولوجيات هذه الفئة يرتبط بالدرجة الأولى في الأسرة «التي ينبغي عليها أن ترسخ المفاهيم الصحيحة لدى الناشئة قبل أن تصل إليهم أفكار وسموم الجماعات الإرهابية». وأضافت إن مكافحة الفكر الإرهابي بحاجة إلى دور المجتمع «فلابد أن يستشعر كل فرد أنه مسؤول وأن عليه نبذ كل ما هو دخيل على مجتمعنا وديننا كالتطرف والعنف والإسهام في توعية المحيطين به أيضاً كي نحمي الوطن وأبنائه».

وأوضحت السجواني أن تقبل الأفكار الخاطئة يرجع إلى طبيعة الشاب نفسه والبيئة التي ترعرع بها وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، مشيرة إلى أن أكثر الفئات المستهدفة هي تلك التي تعيش ظروفاً أسرية واقتصادية صعبة ومن يعانون من حرمان وإحباط ولا يوجد لديه رغبة في الحياة.

ودعت الخبيرة في علم النفس إلى مراقبة الأبناء وما يتابعونه على الشبكة العنكبوتية باعتبارها مليئة بالأفكار المضللة مع تقديم النصح والإرشاد والتوجيه بصورة محببة.

فوّهات وسيوف

في توصيفه لعمل تنظيم داعش في العمل الدعائي الإعلامي، يقول الكاتب عبيدة عامر «ليست جيوش تنظيم داعش محملة بالقناصات والسيوف وحسب، فقد حشدت إلى جانب فوهات أسلحتها الموجهة، سبطانات وفوهات عدساتها لتصطاد أهدافها كذلك، ومع كل رأس يقطعه التنظيم، مشهد تقطّعه لتعدله لتغسل به دماغاً آخر، ومع كل «بقاء وتمدّد» واقعي يعلنه ويسعى له موقعاً الضحايا، بقاء وتمدد سيبيري شبكي يصطاد به مزيداً من الضحايا كذلك، في علاقة شبكية متداخلة بين «الواقع» و«الإعلام» - يكون به الواقع سبباً لإنتاج الإعلام حيناً، فيما يكون به الإعلام وسيلة لتغيير الواقع أو خدمته أو تغييره في أحيان أخرى». ويضيف انه في هذا الزمان الصوري الذي تحكمه «هوليوود»، فهم التنظيم لعبة الإعلام، فاستطاع الاستفادة منها أقصى الاستفادة، واستخدمه باحترافية تضليلية عالية، بدءاً بالخطاب وتحديد الجمهور واللغة المستخدمة، مروراً بالإنتاج الفعلي، وانتهاء بالتسويق والنشر والدعاية.

ويقول الكاتب أسرار شبارو إن الكثيرين ممن تعرّضوا لغسل الدماغ في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية حملوا حقائبهم، تركوا عائلاتهم وأرزاقهم والتحقوا بـ«داعش» وأخواتها سواء في سوريا أو في العراق وغيرها من مناطق الصراع. ويضيف أسرار «هم ميسورون ومتعلمون وليسوا فقراء وأميون، خضعوا لغسل دماغ، من قبل واعظين سواء في المساجد أو عبر الانترنت، ما يدفع لطرح السؤال: أي عملية غسل يمكنها جعل الشبان يتخلّون عن حياتهم؟».