كيف يمكن تفسير التحول من حياة اللهو إلى حياة التطرف؟ وما تداعيات صعود الحركات المتطرفة على المجتمعات العربية والغربية معاً؟
ويرى بعض المراقبين أنّ بعض المراكز الثقافية في المجتمعات الغربية تعزز نزعة التطرف بسبب «فهم سطحي» للدين، إلى جانب انضواء بعض الشباب المسلم المهاجر في الجماعات المتطرّفة حباً للمغامرة وتحطيماً للروتين، وليس إيماناً بفكر هذه الجماعات.
حياة بومدين كانت ارتبطت (شرعياً) بمنفذ هجوم فانسان أميدي كوليبالي في 2010، حتى إنها كانت في انتظاره لدى خروجه من السجن في الربيع الماضي، بعد قضائه أربع سنوات خلف القضبان، وبعد خروجه انتقل كوليبالي للسكن عند حياة قبل أن تتهم بالتواطؤ في إطلاق النار في ضاحية مونروج، والذي أدى إلى مصرع شرطية، كما أنها مقربة من الشقيقين كواشي اللذين قتلا بدم بارد 12 شخصاً داخل مقر صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة وخارجها.
سالم حبراس، محاضر في مادة السلوك التنظيمي، يقول إنّ للبيئة التي يتربى فيها الإنسان التأثير الأكبر في تكوين شخصيته ومعاملاته مع الآخرين، وهذا ما يسمى بالسلوك الإنساني. وهو عبارة عن تفاعلات بين البشر بحيث يؤثر كل طرف في الآخر بطريقة تناسبية تختلف من شخص إلى آخر، وفق ما تلقاه من تربيه في أسرته، وحسب تأثير التعليم في تركيبة شخصيته. ويضيف: «وبما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فهو يتأثر بمن حوله ويؤثر فيهم كذلك، وهذه المؤثرات ناتجة من عوامل أهمها بيئة المنزل».
ويقول حبراس إنّ «الحاجة تؤثر في سلوك الإنسان سلباً أو إيجاباً»، ويتابع: إنّ «سلم الحاجات الذي وضعه أبراهام ماسلو، يحدد أنه لا بد من إشباع الحاجات الأساسية للإنسان. فإذا لم تشبع الحاجات قد يسلك الإنسان سلوكاً غير طبيعي. وعندما يرى الإنسان أنه لا يستطيع إشباع حاجاته الأساسية فإن الدوافع الداخلية تدفعه لكي يلبيها ولو بمخالفة القانون الوضعي أو قانون الطبيعة. لذلك يتغير اتجاهات سلوك الإنسان من الخير إلى الشر أو بالعكس، وفقاً لعوامل قد يكون تأثيرها نسبياً من شخص إلى آخر وفق مرتكزات أخرى مثل الدين والعرف والتقاليد والخوف من العقاب، وحدود الحرية الاجتماعية في البيئة التي يعيشها الشخص سواء كان ذكراً أو أنثى».
الفيل العملاق
بدوره، يقول الإعلامي د. عبدالحميد الموافي إن هناك أسباباً كثيرة وراء التحولات التي تقود إلى التطرف، خصوصاً عند المغتربين الشباب، أولها الظروف الاجتماعية والظروف الاقتصادية، وهي ليست آخرها، كما أنها لم تعد عنصراً حاسماً في هذا الأمر، إضافة إلى الظروف الأسرية ومجموعة الأقران ثم البيئة التي يتشربها الفرد، فضلاً عن الفقر الثقافي، «حيث يعتقد البعض بعد قراءة كتاب أنه أصبح عارفاً بالدين أو قادراً على التفسير».
ويلفت د. موافي النظر إلى أمر يراه خطيراً، ففي المجتمعات الغربية هناك المراكز الثقافية التي تعتبر في أحيان كثيرة غير عميقة ولها توجهات متشتتة، «وهذا ما يفسر هذا التحول في حياة البعض»، إلى جانب عناصر من الشباب ليست مغرمة بالجهاد قدر رغبتها في التجريب والمغامرة وتحطيم الروتين.
ويفيد بأنّ تجنيد «داعش» للشباب يتم عبر الإنترنت، سواء عن طريق الاتصال المباشر أو غير المباشر. ويلفت النظر إلى أنّ العديد من الأقليات في المجتمعات الغربية تتحوّل إلى «جماعات مغلقة»، فيرى أن القليل «من يتفاعل ويتشرب الحياة الجديدة. والبعض عندما ينغلق يدخل في مرحلة عداء لهذا المجتمع».
ويتساءل د. عبدالحميد موافي، عمن يقف وراء هذه الحركات المتطرفة؟ ويسأل: كيف نشأ «داعش» وما الظروف الذي شجعته ليصبح كالفيل العملاق؟
الباب المغلق
من جانبه، يقول المحلل السياسي علي بن مسعود المعشني إنّ هناك مراكز إسلامية ترعى التطرف من حيث لا تدري. ويركّز على حاجة هذه المرحلة إلى الخطاب الإعلامي الشفاف البعيد عن التورية.
ويؤكد المعشني أن الإسلام كدين، نزيه عما يحدث «فالإسلام الرباني واحد، ولكن عندما جاءت المذاهب انتصرنا لها على حساب الإسلام»، ويتابع أنّ «داعش وأخواتها في حقيقتها إسلام وضعي، وليس له مرجع إسلامي أو رباني».
