افتتح العام الجديد بالعمل الإرهابي ضدّ مجلة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة، والتي كانت نشرت رسوماً قبل سنوات وصِفت بأنها «مسيئة للإسلام ورسوله»، فأمضى المهتمّون حول العالم الأيام الماضية جلّ أوقاتهم في متابعة التفاصيل الدقيقة للإعصار الأمني الذي ضرب المجتمع الغربي في قلب باريس وأودى بحياة 12 شخصاً.
ولكون ما حصل في باريس ليس منعزلاً عن ما يحصل في العالم، على صعيد الإرهاب، وما يتصل به من دعم واحتضان من جانب هذا الطرف أو ذاك، أو من حرب عليه في هذه المنطقة أو تلك، فقد ضجّت القراءات اللبنانيّة بطرح الأسئلة المتعلّقة بمصير الإرهاب، الذي تفشّى في المنطقة، والذي تشكّل بدعم وتسهيلات دولية، لتخلص الى نتيجة واحدة مفادها أن «التطرّف يتمدّد»، ووحده الإرهاب سيبقى الشغل الشاغل للعالم لأجل غير مسمّى، فـ «الفيروس الجهادي» موجود في كل بلد من بلدان العالم (ومنها فرنسا)، سواء أكان فرداً أم مجموعة أو أكثر، وبالتالي، يمكن لهذا «الفيروس» أن يتفشّى بأسرع مما يتوقع القيّمون على أجهزة الاستخبارات، بحسب القراءات المتعدّدة.
الأمن بيئة
وفي حين بات هاجس الإرهاب يضغط على الجميع، ومنهم اللبنانيّون، الذين وصل الى مسامعهم مؤخراً خبراً مفاده أن 32 شاباً لبنانياً يعدّون العدّة لتنفيذ هجمات انتحارية في الداخل اللبناني، وأن الأجهزة الأمنيّة تترصّد نحو 200 مشتبه فيهم بالارتباط بتنظيمَي «جبهة النصرة» و«داعش»، بعد اتخاذهما القرار باستئناف العمليات الأمنيّة في لبنان، وبمعزل عن المعايير المزدوجة التي تتحكّم بالمشهد، بين أن تتضامن الكرة الأرضيّة مع الضحيّة هناك ويُكتفى ببيانات التنديد حيال ضربة للإرهاب هنا، يشدّد خبير عسكري لبناني، فضّل عدم الكشف عن اسمه، على أنه لا نقاش في قوّة الرابط بين جريمة باريس والإرهاب الذي يضرب لبنان أو أية بقعة من العالم العربي، فـ«العقل هو نفسه، والفكر نفسه.. وحدها الأسماء تختلف، ما يعني أن المعالجة لا ينبغي أن تنفصل».
«الأمن بيئة، قبل أن يكون جهاز شرطة»، بمعنى أنه ينبغي على من يصنع الإرهاب ويدعمه أن يعرف أن أخطر ما في منظومة الإرهاب هو ثقافته التي تسقط مفهوم الدول والأنظمة والقوانين، وتنفلت من أيّ قيد يضبطها، لتتصرّف كما ترى هي مناسباً لها، حتى ولو كان تصرّفها ضدّ من صنعها، يقول الخبير العسكري لـ«البيان»، في إشارة منه الى الغرب، ومنه فرنسا، الذي «عمل خلافاً للقواعد وظنّ أن بإمكانه الفصل في التعاطي مع الإرهاب تمييزاً، بين إرهاب مسموح به يُصنّع ويُصدّر أو يُحتضن ويُدعم للنيل من الخصوم والأعداء، وإرهاب ممنوع يلاحَق ويجتثّ من أي مكان، يكون للغرب مصلحة في المحافظة على أمنه واستقراره».
حياة بومدين
ومن البوّابة الباريسيّة التي عاشت «ضيفة» على الإرهاب، لا يزال البحث جارياً عن حياة بومدين (26 عاماً) الجزائريّة الأصل، وزوجة الفرنسي من أصل سنغالي أميدي كوليبالي، الوحيدة التي بقيت حيّة وتمكّنت من الفرار بعد اعتقال أحد زملائها وقتل الثلاثة الباقين، لتتحوّل في يوم واحد الى إحدى أشهر المبشّرات بجحيم المطاردة الدوليّة، وهي التي كانت حياتها عاديّة، لبست فيها «البكيني» على الشواطئ، قبل أن يلبسها التطرّف وتظهر بالنقاب الذي انتهى بها الى الإرهاب.
وموضوع التبدّل في حياة من أصبحت أشهر الإرهابيّات الهاربات وعلى رأس المطلوبين الأوروبيّين يدخل، بحسب المختص في شؤون الحركات السلفيّة الجهاديّة الدكتور اللبناني محمد علّوش، هو نتاج عملية «غسل أدمغة»، والتي يعرّفها بأنها «عمليّة سياسيّة مطبّقة منذ زمن، تبدأ بتعريف الجهاد على أنه فرض عين يُطبّق بالحديد والنار، ويُعطى لهذا التفسير غلاف ديني يضجّ بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة الشريفة»، ويعزوها الى فشل السياسات العربيّة والدوليّة في مقاومة جذور التطرّف، والى غياب خطاب ديني مستنير واستراتيجيّة دينيّة تنويريّة تقوم على مراجعة عميقة لمنظومة الفكر الديني.
أما ظاهرة «غسل أدمغة» الإسلاميّين من أصل أوروبي، فتعود برأيه الى ضعف الثقافة الإسلاميّة لدى هذه الشريحة من الناس، عدا عن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، فتُحشى أدمغتهم بأفكار تحض على القتل والإرهاب.
حياة بومدين: من «البكيني» الى «النقاب».. فـ«الإرهاب».. وإن لم يكن يخطر، قبل أعوام قليلة، مجرد فكرة أن تصبح متطرّفة، بل أن تشارك في عمليات إرهابية أيضاً، إذ وقفت مع صديقها كوليبالي على الشاطئ مرتدية «البكيني»، ولم يبدُ عليها أي علامات تدلّ على التشدّد الديني، إلا أنها استحالت رقماً في سجّل من حملوا حقائبهم وتركوا عائلاتهم وأرزاقهم، في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبيّة والأميركيّة.
هواجس وأسئلة
وفي حين أن هناك كثيرين منهم، خضعوا لـ «غسل دماغ» على أيدي «واعظين»، سواء في المساجد أو عبر الإنترنت والوسائل الاجتماعية، كما بات معروفاً، وباتوا دمى في يد مخطّطين دمويّين، متأهّبين لتنفيذ أي عمل يُطلب منهم باسم الجهاد، فإن هذا الأمر يدفع لطرح أسئلة عدّة، ومنها: أيّ عمليّة «غسل» يمكنها جعل الشبان يتخلّون عن حياتهم ويرغبون بمعانقة الموت وهم أشلاء؟
هي طريقة «غسل أدمغة» الانتحاريين تتطوّر باستمرار، ومن غير المستبعد استخدام عقاقير نفسيّة لدى إعدادهم، أو حتى إعطائهم مخدّرات لينتشوا ويقدموا على تفجير أنفسهم من دون تردّد أو ارتباك.. هذا ما يؤكّده الإخصّائي في علم النفس العيادي والتوجيه العائلي الدكتور جاد حدّاد، ويقول لـ«البيان»: إلى جانب «غسيل المخّ»، باستخدام حوافز دينيّة وطائفية، عادةً ما يتمّ العمل على الدوافع الخفيّة اللاشعوريّة للانتحاريين، واستغلال حاجات اقتصادية واجتماعية وسياسية.
تجنيد الانتحاريين، يتمّ عبر اختيار الشباب وعزلهم لفترات طويلة، وتدريبهم على رياضات جسدية عنيفة، وتلقينهم أفكاراً متطرّفة، وتغذية رغبتهم بالموت عبر التغرير بهم ووعدهم بـ«الحور العين».
الجهل ممرّ
أما الأساس في عملية غسل الأدمغة فهو أولاً، بحسب إجماع أخصّائيّين في علم النفس، مرتبط بالجهل النابع من أسس اجتماعية ونفسيّة وأكاديميّة. ذلك أن الدماغ الفارغ من كل فحوى ثقافية وأكاديمية ومن كل طاقة إدراكيّة هو دماغ يسهل غسله، إذ يشكّل أرضيّة صالحة لـ«التنوير».
ثانياً، تلعب الجذور الدينيّة (تفسير الدين بحسب فتاوى رجال دين منحرفين، يلعبون على وتر المتناقضات المذهبية والحقد والضغينة) دوراً مهماً في تغذية المفهوم الإقصائي، بحيث يصبح الضمير، والذي عليه أن يكون الرادع الأول لارتكاب الجرائم، محفّزاً لارتكاب الجريمة، لأن الجاهل يعتبر ما يقوم به هو «خدمة دينيّة».. وفي ضوء هاتين النقطتين، يتوجّه الإنسان الجاهل غريزياً، أو تتحرّك لديه الغريزة بقالب ديني، فتصبح من دون عقدة ذنب، ما يسهّل لدى المجنّد القيام بالقتل والسحل والذبح، أو تفجير نفسه، طمعاً بـ «جنّة الرضوان بين حور العين».
«رؤى» وهلوسات
هؤلاء الانتحاريّون أشخاص مغرّر بهم، يخضعون مثل الدمى لقيادات الجماعات الإرهابية غير المعروفة لديهم، بحسب حدّاد. ويضيف: بعد أن يُطلب من أحدهم التخلّي عن الأغذية الغنية بالبروتينات لشهور عدّة، على أن يقتصر غذاؤه على بعض الأطعمة (منها الخبز والجوز)، ما يتسبّب بإضعاف جسمه، يمرّ الانتحاري المجنّد، عشيّة تنفيذ عمله الإرهابي، بما تسمى طقوس الطهارة (اعتكاف، صلاة متواصلة، اغتسال كامل وامتناع تامّ عن الطعام)، لتبدأ لديه الهلوسات و«الرؤى» و«الأحاديث» مع الأقرباء الذين ينادونه إلى الانضمام إليهم في الجنة عبر «الاستشهاد».
وفي تقويم للظاهرة، يشير مؤلّف كتاب «السلفيّة التكفيريّة»، د. نسيب حطيط، الى أن التكفير ظاهرة متجذرة عبر التاريخ في كل الديانات، وأن التكفيريّين هم جلادون من جهة، لكنهم من جهة أخرى ضحايا الفكر الذي تربّوا عليه من مشايخ تم تصنيعهم سياسياً ومخابراتياً، داعياً لـ «العمل على تأسيس مقاومة ثقافية، في مواجهة منهج التكفير ودعم الحوار الديني والإنساني، مواكبةً للعمل الميداني وإنقاذاً للشباب من الفكر الضال».
الأساس في عملية غسل الأدمغة بحسب الاخصائي اللبناني في علم النفس العيادي والتوجيه العائلي والجنسي د. نبيل خوري هو «الجهل، فالدماغ الفارغ من كل فحوى ثقافية وأكاديمية هو دماغ يسهل غسله، أي يسهل توجيهه باتجاه سليم أو غير سليم، انطلاقا من قاعدة رغبات صاحب العلاقة، بمعنى أن هناك أسساً اجتماعية، نفسية وأكاديمية لذلك».
وأضاف لصحيفة «النهار» اللبنانية أن «المجتمعات الفقيرة والمعدمة في أوروبا وحتى في أميركا تُعتبر صالحة لتغذية الفكر التمرّدي والناقم والثوري. وفي هذه المجتمعات هناك ضعف في الثقافة وفي الطاقات الأكاديمية، وبالتالي هناك ضعف في الطاقات الإدراكية. لذلك تكون الأرضية صالحة لـ«التنوير».

