يبدو أن هناك خلطاً بين عمليات غسل الدماغ لأشخاص محددين أو محدودين، وتغيير أفكارهم ومفاهيمهم، وعمليات غسل الدماغ المجتمعية التي تهدف إلى تغيير نمط حياة وتفكير جماعية، قد تشمل محو ذاكرة شعب أو جزء كبير منه، واستبدالها بما هو نقيض لها، فالأولى تتمثل بإدخال تقنيات متطورة، ملموسة أو محسوسة، في أذهان أناس محدودين، وبطرق علمية قد تكون غاية في التعقيد، اما الثانية فهي طويلة الأمد، وتعتمد طرقاً مختلفة، لمحو الموروث الثقافي الجمعي، واستبداله تدريجيا بما هو مغاير له، وفق دراسات طويلة ومتشعبة، ابتداءً من أفلام الكارتون واظهار موديلات الملابس، او اطالة اللحى للرجال والثياب للنساء، والتركيز على نقاط معينة واغفال اخرى، وغيرها.
تغيّر أم تغيير؟
ويرى الكثير من المتخصصين أن تغيّر الشخص من موقع فكري أو ثقافي أو اجتماعي، إلى آخره أمر طبيعي بحكم عوامل التطور أو التغيّر في مستوى وطبيعة الإدراك، وهذا يختلف تماماً عن التغيير أو التحويل المتعمد والمقصود الذي يطلق عليه «غسل الدماغ». وبحسب د. زينب منصور، فإن «غسل الدماغ» يعني تغيير أفكار ومبادئ وعقائد وقيم الشخص، ووضع أفكار وقيم جديدة مختلفة عن التي كانت موجودة لديه، وذلك يتطلب أولاً معرفة كيفية اكتساب الإنسان الأفكار والقيم والعقائد أو حتى ثقافته.
التطرف غسيل دماغي
ثمّة فكر متطرف يرى ضرورة محاربة ما يعتبره «بدعة»، حتى بأسلوب إعلان الحرب، بل نما فكر يعتبر كل ما يخالف الأعراف القديمة ضلالة يجب أن تقاوم بأعنف الأساليب، لاسيما أن الأطراف المقابلة شديدة البأس. ويرى أخصائي علم النفس أحمد الحمداني، أن الخضوع للأفكار المتطرفة لا يخلو من غسيل للدماغ، بدافع إظهار القوة والشدة تجاه الآخر، ما دامت النتيجة هي «الجنة».
الا أن د. زينب منصور تتجاوز الواقع الحالي، وتعود لتقول ان ظاهرة الغسيل الدماغي أو التحويل الفكري هي ظاهرة عريقة وموغلة في القدم، وإن الإنسان وعلى مر العصور ما انفك يسعى لاستغلال أخيه الإنسان وينقب عن أمكر الوسائل ويستعين بآخر مبتكرات العلوم الحديثة للتأثير في أفكاره واتجاهاته والهيمنة على دماغه بشتى السبل.
دور المؤسسات الكبيرة
وبحسب استاذة علم الاجتماع فوزية عطية، فإن غسل أدمغة الأفراد والجماعات يمكن ان يتم من دون أن يدروا أن ذلك جرى لهم، وهذا يتم عن طريق الإعلام بكل أنواعه وأشكاله المسموعة والمقروءة والمرئية، صحف ومجلات وكتب وإذاعات ومحطات تلفزيون ودور عبادة، وبواسطة أجهزة التعليم بكل أشكالها، وهذه الوسائل أصبحت تملكها وتتحكم بها الدول والمؤسسات الكبيرة، وهي الآن تقوم بغسل أدمغة غالبية الأفراد ووضع الأفكار والدوافع التي تريد. الا ان د. عطية تستدرك بالقول، إن التجارب المطبقة من قبل بعض الدول على مواطنيها لإصلاحهم، اثمرت بأن غالبية هؤلاء يمكن ان يتغيروا لتبني الآراء والافكار المطروحة من قبل الدولة بعد اخضاعهم لضغوط تتفاوت في درجاتها، ثم يستعيدون آراءهم السابقة بعد توقف هذه الضغوط.
نتائج الإحباط
وإذا كانت الدول أو المؤسسات الكبيرة، تمتلك إمكانيات غسيل الأدمغة، بنوعيه الفردي والجمعي، فإن ذلك يمكن أن ينطبق على «التنظيمات الإرهابية»، التي لا يمكن لأحد نكران اشتداد قوّتها وتوسعها، بنتيجة الإحباطات او الصدمات التي تمر بها المجتمعات، وكثرة المشاكل والأزمات، التي بلا حلول، ما يطرح «خطورة الخطاب المتطرف والعنفي»، كبديل للحلول الأخرى المتاحة، مع عدم إغفال استغلال الثغرات الدينية الطائفية، والنزعات القومية المتطرفة، والتفاوت الطبقي، وغير ذلك من الأمور التي أوجدت متخصصين بأساليب غسيل الأدمغة، والتي يصنفها د. فهمي النجار بأنها «سلاح من أسلحة الحرب النفسيَّة يرمي إلى السيطرة على العقل البشري وتوجيهه بغايات مرسومة، بعد أن يُجرَّد من مبادئه السابقة».
الإيمان بالنقيض
ويصف النجار العملية بأنها «عمليَّة تطويع المخ وإعادة تشكيل التفكير، وتغيير الاتجاهات النفسيَّة، بحيث يتم هذا التغيير بطريقة التفجير، وهو محاولة توجيه الفِكر الإنساني أو العمل الإنساني ضد رغبة الفرد أو ضد إرادته، أو ضد ما يتَّفِق مع أفكاره ومُعتقداته وقِيمه.. إنه عمليَّة إعادة تعليم، وهو عمليَّة تحويل الإيمان أو العقيدة إلى كُفْر بها، ثم إلى الإيمان بنقيضها».
إضاءة
في نوفمبر 2009، نقلت وكالة فرانس برس عن مصادر في الشرطة العراقية ومعتقلين سابقين قولهم إن معسكر بوكا شكّل مرتعاً خصباً لتنظيم «القاعدة» والجماعات المتطرفة التي تمارس عملية «غسل الأدمغة» تحت بصر وسمع الأميركيين، قبل أن يغلق في سبتمبر الماضي من نفس العام. في حين نسبت الوكالة لمصادر أمنية تأكيدها أن منفذي الهجمات الدامية بأغسطس وأكتوبر في حينه، هم من معتقلي «بوكا» السابقين.
وقالت إن «معسكر بوكا مدرسة كانت تخرج أعداداً كبيرة من التكفيريين والمتطرفين بطريقة مدبّرة ومقصودة وغير عشوائية». ونقلت عن شاب أمضى 26 شهراً في المعسكر أن «التكفيريين كانوا يختارون الجهلة وأصحاب السوابق في الجريمة كونهم اللقمة السائغة لهم وبالإمكان إدخال الأفكار المتطرفة إلى عقولهم بسهولة».
إشكالية العنف في التربية.. والأطفال 3 أنواع
العنف كظاهرة تربوية لدى بعض الأطفال لا ينفصل عن العنف السياسي الذي يتشكّل لديهم لاحقاً، بل إنه الأساس الذي يصعد عليه العنف السياسي وذروته «الإرهاب» الذي هو بدوره امتداد طبيعي للتربية العنفية المبكّرة، إلى جانب عوامل أخرى.
يرى أستاذ الطب النفسي في لبنان د. محمد النابلسي أن الإنسان ذاته يمر بحالات عقلية مختلفة تصل أحياناً لدرجة حدوث انقلابات سلوكية، ومنها ما يسمى بالنشبة العنفية أو ما تسمى بالعامية بـ «ساعة الشيطان». ويستشهد في ما يذهب إليه بارتفاع نسب الجريمة لدى المرأة أثناء فترات الحيض، وتقلّب المزاج لدى الإنسان بحسب أيام الشهر (دورة بيولوجية).
يؤكد د. النابلسي أن هناك إمكانية لإجراء تعديلات سلوكية جذرية لدى أي شخص عن طريق تعكير إيقاعاته البيولوجية اليومية: مثل حرمانه من النوم أو من الضوء أو من السمع، لكنّه يذكّر أيضاً بالتغيّرات السلوكية المتطرفة التي تصاحب السكر والإدمان.
وإذا كان للتربية دورها في تحديد النمط السلوكي العنفي فإن الأخطر مسألة البرمجة العنفية الاصطناعية، أي التأثير على الأشخاص من أجل إساءة استخدامهم في أعمال عنفية.
في محاولته الإجابة على السؤال حول إصابة طفل باضطراب ونجاة أخوته رأى الباحث جون أنتوني أن الأطفال يقسمون إلى ثلاثة أنواع:
أطفال يشبهون الدمى البلاستيكية: وهم يقاومون الصدمات ولا يقاومون النار.
أطفال يشبهون الدمى الزجاجية: وهم يقاومون النار ولا يقاومون الصدمات.
أطفال يشبهون الدمى المعدنية: وهم يقاومون النار والصدمات.
