ليس هناك اختلاف في أن الجيش العراقي كان قوياً ومنضبطاً ومتمرساً ومتفوقاً في التسليح والخبرات التي امتزجت فيها المدارس العسكرية التركية والانكليزية والروسية، وغيرها، اضافة الى المدرسة العملية، ومن هنا فان ضابط الجيش العراقي السابق يعد موسوعة عسكرية، في كافة المجالات والصنوف.

والآن، بعد زهاء 12 سنة على حلّ ذلك الجيش، وتشكيل بديل عنه، بلا خبرة ولا تاريخ ولا حتى تجهيزات يعتد بها، يعاد الحديث عن امكانية الاستفادة من خبرات الضباط القدماء، الذين لم تبق منهم في البلد الا الندرة النادرة، التي تشير بأصابعها الى قائدها المرمي في زنزانة الاعدام.

تجميد ربع قرن

ويشير المتابعون للشأن العسكري الى ان 12 سنة من الاعتزال الاجباري، ليست بالأمر الهين، وسبقت هذه السنين العجاف 13 سنة من الحصار المشؤوم الذي فرض على العراق، وليس على نظام صدام حسين فحسب، وخلال هذه السنوات حرم الجيش من أية فرصة للتطور، بالأفراد او بالمعدات او المعلومات والتكنولوجيا المتجددة، ما يعني ان الضابط الذي تخرج توّا في الكلية العسكرية آنذاك اصبح الآن، بعد مرور ربع قرن، مستحقاً الاحالة على التقاعد، وبالنتيجة فان الحديث عن الجيش السابق وضباطه يلفه الكثير من الغموض.

وبحسب العميد المتقاعد نافع عبد الكريم، انه يستطيع الآن بعد 12 سنة من الاعتزال، وبعد 25 سنة من بدء تفكك الجيش ان يميز القذيفة التي تسقط في مكان ما قريب منه وما هو نوعها وعيارها ومن اين انطلقت، نتيجة الخبرة المتراكمة، الا انه لم تعد لديه اللياقة البدنية، التي اعتادها في التمارين العسكرية اليومية والتي كانت مفروضة على كل العسكريين.

سرقة المقاومة

ويشير عبد الكريم الى ان هناك حقيقة تم تغييبها، وهي ان بداية المقاومة الحقيقية للاحتلال الاميركي بعد حرب العام 2003 كانت من قبل مجاميع عسكرية، آلمها الانكسار العسكري ونظمت نفسها في مجاميع صغيرة اخذت تتسع، لكنها سرعان ما تفككت عند ظهور تنظيمات مسلحة اقوى، انضم اليها العسكريون متفرقين، فيما آثر الكثيرون الاعتزال لعدم الانسجام ايديولوجيا مع تلك التنظيمات.

وبحسب معنيين في شؤون الجماعات المسلحة، ان بقايا حزب البعث حاولت استقطاب تلك المجاميع التي لا تنسجم فكريا مع توجهات البعث، وتتهمه بانه كان السبب في خسارة الحرب، وفي خسارة الشعب، ومع ذلك تجاوبت مع اطروحات مقاومة الاحتلال، وكان «جيش محمد» ممثلا للبعث في حركات المقاومة، الا انه سرعان ما تلاشى وتفرقت عناصره بين الالتحاق بالجيش المستحدث وبين التنظيمات المسلحة الاخرى، وخاصة الجيش الاسلامي وجيش الطريق النقشبندية، وغيرها.

اجتثاث طائفي

ويوضح المحلل السياسي ساهر عبد الله، ان قانون اجتثاث البعث لعب دورا مهما في تفكيك بعض المجموعات المسلحة، لأن المقاومة للاحتلال كانت سنية، فيما تشكل الجيش الجديد، الذي كان يحمل اسم الحرس الوطني من الميليشيات الشيعية، والمتطوعين من نفس الطائفة، ومن الاحزاب التي تولت ادارة البلاد في ظل الاحتلال، وهنا تم تطبيق الاجتثاث انتقائيا وطائفيا فاستبعد بعثيون من طائفة وأعيد بعثيون من طائفة أخرى، بعد انتمائهم الى احزاب سلطوية منحتهم التزكية بانهم من معارضي النظام السابق، من دون النظر الى المقدرة والكفاءة وتم منحهم مراكز قيادية هم ليسوا مؤهلين لها.

قيادة بلا قاعدة

وعملياً، لا يمكن نكران وجود كفاءات عسكرية متميزة رغم التقدم في العمر، الا ان هذه القيادات التي واكبت الكثير من التطورات باجتهادات ذاتية او من خلال علاقاتها مع الجماعات المسلحة، لا يمكنها ممارسة أي دور قيادي او تدريبي او استشاري، مع الجيش الموجود حاليا الذي تفتقر عناصره الى مقومات العسكرية الحقيقية، ويتبع منتسبوه لإرادات خارجية سياسية لا علاقة لها بالانضباط العسكري، وهذا ما يقره المستشارون الاميركيون الذين استقدموا لإعادة تدريب وتأهيل الجيش، الذي لم يستطع المقاومة امام بضع مئات من عناصر داعش، اضافة الى الملاحظات الاميركية السابقة، التي ركزت على فقدان جيش المالكي، الدعم الذي كان يفترض ان يحصل عليه في المناطق التي يحتلها، وتعامله معها بروح عدائية.

محاصصة

ويلاحظ المراقبون السياسيون والعسكريون ان المستشارين الاميركيين لم يقوموا بتدريب واعادة تأهيل الجيش «ربما لقناعتهم بان تلك مهمة ايران»، وانما يقومون بتدريب عناصر نخبة من المناطق التي يحتلها تنظيم داعش، وبعبارة اكثر وضوحا وصراحة يقومون بتدريب جيش سني، وهم على يقين بان الجيش الموجود تسيطر عليه ميليشيات تابعة لإيران، وحتى الاسلحة التي يزودونه بها يذهب معظمها الى تلك الميليشيات لكنهم يغضون النظر نسبيا مادامت هناك استفادة ولو وقتية في مقاتلة تنظيم داعش، اضافة الى الوعود التي قطعها رئيس الوزراء حيدر العبادي بالسيطرة على تلك الميليشيات.

داعش والجيش

وفي واقع الحال، بحسب الخبير في شؤون الجماعات المسلحة، زيد الزبيدي، ان الضباط القدماء من الجيش السابق، لا يوجد أي رابط ايديولوجي او سياسي بينهم وبين داعش، ولكن مثل هذا الرابط قد يكون موجودا مع القيادات السابقة لساحات الاعتصام في المحافظات المنتفضة، ولما كانت الاستعانة بهم كمستشارين في الجيش الحكومي الحالي غير ممكنة، كما الامر مع داعش، فان المجال الوحيد الممكن الاستفادة فيه من خبراتهم، هو الجيش الجديد.

ويرى الزبيدي ان الكثيرين تنقصهم الجرأة للتحدث عن انهيار تام للجيش، وانه بالأساس فاقد للأهلية ليكون جيشا وطنيا، ما يجعلهم يخجلون من المطالبة بحله مرة اخرى، الا ان التقدير الاميركي الذي عدّ الجيش المليوني بحدود 104 آلاف مقاتل، يكشف عن إبقاء هذا العدد من الافراد فقط في الجيش، الذي سيترك المدن لحراسة خارجها، كما يقال، وهو امر غير مألوف في أي جيش بالعالم، لان مهام الجيش هي حماية حدود بلد وليس حماية حدود مدن.

رد الاعتبار

وتبقى الآن مهمة واحدة اساسية للجيش السابق المنحل وضباطه القدماء، وهي رد الاعتبار، فيما يتعلق بضباط المكون السني، الذي تبذل الجهود الآن لإشراكه بشكل فعال في القتال ضد داعش، ومن خلال ذلك يمكن تكوين نواة عسكرية مهنية، تم الكشف عنها خلال لقاء عُقد في بغداد بين وفد أميركي، بزعامة رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونغرس الأميركي جون ماكين، ونخبة من قيادات الجيش العراقي السابق، بحضور عدد من الزعامات السياسية وشيوخ العشائر المناهضة لداعش.

وبحسب مصادر اعلامية، ان هذا اللقاء، الذي يُعدّ أول لقاء مباشر ورسمي بين قيادات في الجيش العراقي السابق ومسؤولين أميركيين، تركّز على كيفية التصدي لتنظيم داعش، وإعادة النظام للمناطق الشمالية والغربية من خلال خبرات ضباط الجيش السابق.

عرض أميركي

وأوضح مصدر حكومي، أن اللقاء حمل عرضاً معيّناً لقيادات الجيش السابق إذا ما ساعدوا في دحر داعش، وذلك بعد رفضهم عرضاً قدّمه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لهم للعودة إلى الجيش، بسبب عدم وجود ضمانات، مشيراً إلى أن اتفاقاً أولياً تم على دعم ضباط وقيادات الجيش السابق لأبناء المناطق السنّية في الوقت الحالي وتولي ملف تدريبهم تمهيداً لإدخالهم في قوات الحرس الوطني الجديدة.

 

الاستعانة بضباط الجيش السابق رد اعتبار للعسكرية العراقية أكد العميد الركن في الجيش العراقي السابق، سامي عبد الله المشهداني، أنّ الاجتماع مع رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونغرس الأميركي جون ماكين كان قيّماً، وأنّه أولى اهتماماً كبيرا برفد المقاتلين ضد داعش بضباط الجيش السابق الذين يتمتعون بخبرة حاولت الحكومات المتعاقبة في العراق إغفالها.