يربط الكثير من الناس بروز ظاهرة التطرف والغلو في الدين في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد انتشار الحركات والجماعات التي تتخذ من التطرف منهاجاً وشريعة، بالأوضاع السياسية وحالة الضعف التي تعتري الكثير من بلدان العالم الإسلامي، الأمر الذي خلق نوعاً من الاحتقان في أوساط بعض الشباب الذي عادة ما يؤدي انفجاره إلى عنف يأتي في الغالب بنتائج عكسية يدفع ثمنها ضحايا أبرياء، غير أن علماء النفس لهم نظرة أخرى وإن كانت وثيقة الصلة بالأوضاع السياسية المعاشة بحيث أنهم يرجعون التطرف والغلو إلى عوامل وترسبات سايكولوجية نتيجة لتراكمات كثيرة تبدأ منذ سنوات التنشئة الأولى.

ولمعرفة الجوانب النفسية لما يحدث من عنف باسم الدين، يرى استشاري الطب النفسي والعصبي وأستاذ الصحة النفسية السوداني بروفيسور علي بلدو، في مقابلة مع «البيان»، أنّ التطرف كظاهرة يجب النظر إليه بصورة شمولية تعكس الواقع العربي المعاصر بتناول المتغيرات الكثيفة والحراك المختلف الذي أثر في الذهنية والعقلية والسيكولوجية العربية والإسلامية الحالية، حيث إن النظرة الشرعية المتجذرة في نفوس البعض والقائمة على التحريم والتحليل، والتي أدت بصورة مباشرة إلى نوع من النفور إلى كل ما هو حديث والشعور المتنامي بالحرمة من أشياء كثيرة، وانتقاد السالب إلى جانب التنشئة الخاطئة وعدم وجود متنفس داخل الأسر وعدم القدرة على إدارة حوار هادف وبناء تسوده الحرية والديمقراطية والسلام، الأمر الذي أسفر عن إفراز شخصيات مشوهة داخلياً مفتقدة للقدرة على التأقلم والتكيف والتعاطي مع الواقع المعاش، وتعوزها القدرات للتعامل مع المتغيرات ومع المستحدث من الأمور.

سيكولوجيا العنف

ويؤكد بروفيسور علي بلدو في إفاداته لـ«البيان»، أن «سيكولوجيا العنف المتجذر في النفوس والرغبة في الانتقام والتشفي وفرض الآراء بالقوة، وتغيير ما يبدو للعقل أنه غير مناسب وغير صواب عن طريق استخدام العنف هو في ذاته انعكاس لعنف داخلي، وعدم قدرة على الشعور بالتوازن النفسي، ونتيجة لتراكمات وترسبات نفسية سالبة ويكون مصدرها المجتمع والأسرة أو حتى السلطة في ظل تنامي روح الظلم وعدم الشعور بالعدالة والغبن وأيضاً تنامي الإحباط في المجتمع إلى حد كبير يولد رغبة في الإيذاء بكل أشكاله البدنية واللفظية والمعنوية مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود قنوات للتواصل، ما يحدث نوعاً من النمذجة النفسية السالبة والتناقض النفسي الذي يجعل الأشخاص في حالة من القلق الدائم والتوجس والترصد وعدم القدرة على التعبير».

وهذا يجعلهم شعورياً يحتاجون لدفعات وإلى وقفات كثيرة قد يكون العنف تجاه الآخرين والممتلكات والأنظمة واحداً من تعبيراتها، بحيث يمكن اعتبار أي قنبلة انفجرت أو أي طلقة انطلقت نحو شخص برئ ما هي إلا عبارة عن شحنات نفسية من أتون الصراع النفسي الداخلي وعدم القدرة على الشعور بالسعادة الذهنية والسلامة الروحية والثبات الوجداني في عالم مضطرب.

شخصيات غير سوية

ويضيف بروفيسور بلدو، أن معظم الشخصيات المتطرفة والحادة هي في الواقع شخصيات غير سوية وتشعر بنوع من عدم الاستقرار الذهني، وعدم السلامة الداخلية، وهذا يدفعها للتحول المفاجئ من مذهب إلى آخر، والتغير في نمط الحياة والسلوك لعدم الرضا الداخلي والشعور بالذنب، وأيضاً سهولة الإيحاء لمثل هكذا شخصيات بحيث يمكن لمحاضرة واحدة أو حتى مقطع فيديو أن يحدث انقلاباً نفسياً واجتماعياً عميقاً في مثل هذه الشخصيات ويجعلها لقمة سائغة للتنظيمات المتطرفة والجانحة، «وهذا بدوره يجعلنا نخشي على شبابنا من أن الوافد الإعلامي والثقافي، وما يمكن أن نطلق عليه الدعوة التطرفية يمكن أن تضم آلاف وملايين الشباب في لحظات قليلة، ما يجعلنا نقف على قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة».