استهدف تفجير انتحاري مزدوج في مدينة طرابلس الساحلية بشمال لبنان إثارة جولة جديدة من النزاع الأهلي في بلد غالباً ما تهدد استقراره التوترات الناجمة عن الحرب في سوريا المجاورة. لكن يبدو أن الدولة اللبنانية الهشة خرجت أكثر قوة من الهجوم الذي شنه مسلحون متشددون على المنطقة التي تقطنها أغلبية علوية، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص. وأسهمت أيضاً محادثات سياسية جديدة في احتواء التوترات الطائفية.

وجاء رد الدولة على التفجير بعملية أمنية أعادت فرض هيبتها على سجن يضم سجناء متطرفين، وسلط ذلك الضوء على وجود أرضية مشتركة بين اللبنانيين الذين يقفون على طرفي نقيض من الصراع الإقليمي الأوسع الذي تغذيه الصراعات الطائفية.

وتأثر لبنان الذي يقطنه مزيج من الطوائف بهذا الصراع الإقليمي بعدد من التفجيرات الانتحارية والمواجهات الدموية بين الجيش والجماعات المسلحة.

لكن يبدو أن المشاكل تلوح في الأفق مع اكتشاف سيارة تحمل 120 كيلوغراماً من المواد المتفجرة الخميس قرب الحدود السورية.

غير أن السياسيين اللبنانيين يرون نتيجة هجوم طرابلس برهاناً إضافياً على أن بلدهم سيستمر بتدبر أموره تحت سقف التفاهمات الإقليمية التي جعلته بمنأى عن الصراع المستعر في سوريا والعراق.

وأطلق الطرفان الأكثر قدرة على احتواء التوترات الطائفية في لبنان وهما تيار المستقبل وزعيمه السني سعد الحريري وحزب الله الشيعي حواراً سياسياً هذا الشهر يدخل في إطار جهود أوسع نطاقاً للحفاظ على الوضع الحالي في لبنان.

تحت السيطرة

وما كان لهذا الحوار وهو الأول منذ الأزمة السورية ليستمر من دون مباركة إقليمية. ويعود إلى هذا الحوار الفضل في احتواء التوترات الناجمة عن التفجير الانتحاري المزدوج الذي وقع بمنطقة جبل محسن التي تسكنها أغلبية علوية تتعاطف بشكل عام مع حزب الله والحكومة السورية.

وقال النائب عن تيار المستقبل وأحد المشاركين في الحوار سمير الجسر لوكالة «رويترز»: «لو كنا في أجواء توتر كانت الأمور بالتأكيد ستخضع لردات فعل مختلفة». وفي أعقاب الهجوم دعا حزب الله إلى ضبط النفس، في حين دانت عائلتا منفذي الهجوم عملهما وقالتا إنهما لن تتقبلا العزاء فيهما.

وبعد يومين اقتحمت أجهزة الأمن سجن رومية المركزي لتنفيذ عملية أمنية خطط لها منذ أمد بعيد، وما كانت لتحدث دون الضوء الأخضر من الطرفين السياسيين الخصمين بعد هجوم طرابلس.

خيار استراتيجي

وقال وزير الداخلية نهاد المشنوق ـ وهو يمثل تيار المستقبل في الحكومة ـ إن النزلاء المتطرفين كانوا على صلة بهجوم طرابلس. وأضاف المشنوق: «الحوار هو خيار استراتيجي يدعم سلامة لبنان واللبنانيين، ويفتح الطريق أمام كل الإجراءات الأمنية والسياسية التي تساعد على الاستقرار».

وخلف أبواب السجن كان السجناء يسيطرون على مبنى في السجن بالكامل ويملكون الهواتف المحمولة وأجهزة توفر لهم الإنترنت داخل زنزاناتهم ما أتاح لهم الاتصال بالمسلحين المتشددين في الخارج.

الخطر قائم

قال الكاتب اللبناني راجح الخوري إنه «على الرغم من أن ما حصل في سجن رومية أعاد شيئاً من هيبة الدولة، إلا أن الوضع في البلد ما زال هشاً، فنحن نتأثر في كل شيء يحصل من حولنا». وأضاف: «الخطر مازال موجوداً لأن لبنان وسط بؤرة من الحرائق والحروب التي تستعر من حوله، وبطبيعة الحال فإن أي اشتباك إقليمي سينعكس سلباً على لبنان».