بعد مرور أربعة أعوام على ما عُرف إعلامياً بـ«ثورة الياسمين» التي انتهت بالإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في تونس لا يزال الغموض يكتنف ما حدث يوم 14 يناير 2011، خصوصاً مع إجبار الفاعلين الأساسيين في تلك الفترة التاريخية الحاسمة على الصمت واضطرار البعض إلى الانزواء بعيداً عن المشهد السياسي، وهو ما يفسّره مراقبون بتسليط ضغوط داخلية وخارجية على بعض من كانوا فاعلين في الأحداث ووجود أوامر قضائية وأمنية وسياسية غير معلنة لبعض الشخصيات بعدم الظهور في وسائل الإعلام والأماكن العامة وعدم التحدث بأسرار الساعات الأخيرة لعهد حكم بن علي.
ويشكك جانب كبير من التونسيين في طبيعة ما تم الإعلان عنه من فرار بن علي وباتوا يربطون بين ما حدث في بلادهم وبقية بلدان الربيع العربي، ومع محاولات الترويج لحكم جماعة الإخوان خلال العامين 2011 و2012، وهو المشروع الذي إنهار في ما بعد بثورة 30 من يونيو في مصر ثم بفشل حركة النهضة وحلفائها في العودة الى الحكم في تونس وبخسارة إخوان ليبيا في الانتخابات واندفاعهم لشن حرب ضد الشرعية لا تزال رحاها تدور إلى اليوم.
وكانت أصوات تونسية عدة شككت في أن تكون حصلت ثورة في تونس في 14 يناير 2011، ومن بينهم عزيز كريشان المستشار السياسي السابق للرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي قال إنّ «ما حدث كان انقلاباً وليس ثورة.. فالثورة لم تبلغ نهايتها يومها، لأن المتظاهرين أمام وزارة الداخلية كان همهم إسقاط النظام ورحيله دون إعداد مشروع للمستقبل» وفق تعبيره.
وأكد كريشان أن «ظهور رئيس الحكومة الأسبق محمد الغنوشي بعد هروب بن علي ليتحدّث باسم الثورة دليل على أن ما حصل كان انقلابا ومؤامرة على الثورة قادها المقربون من بن علي».
بدوره، أكد رئيس حزب المستقبل محمد الصحبي البصلي أنّ «ما حصل يوم 14 يناير 2011 لا يعدو أن يكون انقلابا مثله مثل 7 نوفمبر 1987 عندما أطاح بن علي بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة» مؤكدا أنه «لو عرف الشعب حقيقة ما حصل يوم 14 يناير لسقطت رمزية كلمة الثورة» على حد قوله.
أما الباحثة الأكاديمية ألفة يوسف فاعتبرت أنّ ما حصل يوم 14 يناير 2011 ليس ثورة «شعب مجيد كما أوهمنا الإعلام الموجّه وإنما انتفاضة جياع وعاطلين ومهمّشين فعلا في داخل الوطن... وهي انتفاضة ركب عليها بعض الحقوقيين والمناضلين والبرجوازيين وسواهم يوم 14 يناير.. وجسّمها بن علي بفراره الذي لا يبرّره شيء كما قال الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي».
عودة الوجوه القديمة
ويرجح مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة الكشف عن حقيقة ما حدث في 14 يناير 2011 على غرار الكشف في مصر عن طبيعة ما جرى في 25 يناير من العام ذاته، خصوصا من حيث التدخل الخارجي والدور الإخواني، فالمحاكم التونسية كالمحاكم المصرية برأت أغلب قيادات النظام السابق الأمنية والسياسية من تهم التورط في قتل المحتجين، وعرفت تونس خلال العامين الأخيرين إطلاق سراح الأغلبية الساحقة من رموز نظام بن علي مثل وزير داخليته رفيق الحاج قاسم ومدير الأمن الرئاسي علي السرياطي ومستشاريه البارزين كعبدالعزيز بن ضياء وعبدالوهاب عبدالله ورئيس مجلس المستشارين عبدالله القلال إضافة الى القيادات الأمنية من الصف الأول.
وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر الماضي شارك عدد من رموز نظام بن علي في السباق الى قصر قرطاج، من بينهم كمال مرجان آخر وزير للخارجية، وعبدالرحيم الزواري آخر وزير للنقل، والمنذر الزنايدي آخر وزير للصحة، واليوم يوجد 39 من قيادات الحزب الحاكم الأسبق التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل تحت قبة البرلمان كنوّاب منتخبين، ويحسب الرؤساء الثلاثة الحاليون (رئيس الدولة الباجي قايد السبسي ورئيس مجلس الشعب محمد الناصر ورئيس الحكومة المكلف الحبيب الصيد) على زمن ما قبل 14 يناير 2011 سواء في مرحلة بورقيبة أم مرحلة بن علي.
والأهم من ذلك أن تونس تخلت عن مفردات الأزلام والفلول ولم تشّرع لقانون العزل السياسي، واندمج الآلاف من أتباع النظام السابق في أحزاب ما بعد 14 يناير بما فيها حركة النهضة، ثم جاءت حركة نداء تونس لتفتح ذراعيها لقيادات من حزب التجمّع المنحل الى جانب يساريين ونقابيين ومعارضين سابقين مما جعلها تفوز في في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتصل الى سدة الحكم في البلاد، وتم تشكيل أحزاب سياسية من رحم التجمع الدستوري الديمقراطي الذي حلّ بحكم قضائي في 9 مارس 2011 من بينها حزب المبادرة الوطنية الدستورية والحركة الدستورية والحزب الحر الدستوري وحزب الدستوريين الأحرار.
وكان لافتا أن الأحزاب التي رفعت الشعارات الثورية الراديكالية ونادت بالعزل والإقصاء قوبلت بالعقاب الشعبي في صناديق الانتخاب ومن بينها حركة وفاء بقيادة عبدالرؤوف العيادي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أسسه الرئيس السابق المنصف المرزوقي والتيار الديمقراطي بزعامة محمد عبو والبناء الوطني رياض الشعيبي وحزب الأمان للأزهر بالي كما فشل تحالف روابط حماية الثورة المنحلة مع بعض القوى السلفية فشلا ذريعا، وإنهار حزب التكتل الديمقراطي للعمل والحريات بزعامة رئيس المجلس التأسيسي المنتهية ولايته مصطفى بن جعفر، وتعرّض الحزب الجمهوري لأحمد نجيب الشابي الى خسارة فادحة وهزيمة مدوية على الصعيدين الرئاسي والبرلماني، ولاقت عشرات القوائم المستقلة ذات المرجعيات الثورية المصير ذاته.
أزمة اقتصادية واجتماعية
في غضون ذلك، لا يزال التونسيون ينتظرون تحسّن ظروفهم الاقتصادية بعد الأزمة التي عرفتها البلاد طيلة الأعوام الأربعة الأخيرة، ومع ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم وغلاء الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد، والى جانب تعطّل الاستثمارات الداخلية والخارجية وانهيار القطاع السياحي نتيجة تردي الأوضاع الأمنية واتساع دائرة الخطر الإرهابي وتراجع الخدمات، تتجه البلاد الى مرحلة أصعب نتيجة ارتفاع مستوى المديونية وحلول موعد سداد الديون الخارجية إضافة الى ظهور بوادر الإفلاس على عدد مهم من المؤسسات العمومية وخاصة تلك المعنية بتقديم الخدمات الاجتماعية.
وينتظر أن تشهد الأسابيع المقبلة انطلاق المفاوضات الاجتماعية التي يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل مع الحكومة حول ضرورة الرفع من الأجور والحد من تردي الطاقة الشرائية للتونسيين، والتي تمثّل تحديا مهما يواجه المسار الحكومي المنتظر.
تحديات أمنية
وهي تحيي الذكرى الرابعة للإطاحة بنظام بن علي، تواجه تونس تحديات أمنية حقيقية، فمرتفعات المناطق الغربية المتاخمة للحدود مع الجزائر لا تزال مخبئا لعناصر إرهابية مسلحة وخاصة في ولايات الكاف وجندوبة والقصرين، وخلال العامين الأخيرين قتل عشرات من رجال الأمن والجيش في كمائن نفذها المسلحون، في حين نجحت الأجهزة الأمنية في استهداف خلايا نائمة وجماعات متحركة داخل المدن وفي الكشف عن مخازن للسلاح والذخيرة.
وعلى الحدود الجنوبية الشرقية تستنفر تونس الآلاف من جنودها وأمنييها لمواجهة الخطر الآتي من داخل التراب الليبي خصوصا مع الإعلان عن وجود المئات من المقاتلين التونسيين المتشددين الفارين الى ليبيا والعائدين من سوريا والعراق والذي يقيمون في معسكرات تدريب على طول الشريط الحدودي، ويصدرون من حين الى آخر مؤشرات على استعدادهم لدخول البلاد أو تهديدات مباشرة باقتحام الحدود.
كما لا تخفي السلطات التونسية خوفها من عودة 2500 من مواطنيها التحقوا بتنظيم داعش في سوريا والعراق وتدربوا على القتال بعد أن تبنوا الفكر الإرهابي وظهر بعضهم في أشرطة فيديو وهو يدعو الى الإرهاب الداخلي في تونس والى اغتيال شخصيات سياسية وأمنية وإعلامية.
وسيكون على البرلمان الإسراع بالمصادقة على قانون الإرهاب لتيسير عمل قوات الأمن في مواجهة خطر الجماعات المتطرفة ومحاصرة الظاهرة الإرهابية التي تعرف انتشاراً بين بعض الفئات الشعبية.

