يؤكد مدير إدارة الدعوة في مجمع البحوث الإسلامية الشيخ عبدالعزيز النجار، في حوار مع «البيان» أنَّ الأزهر في الوقت الحالي يعمل جاهدًا لضمان وجود خطاب ديني وسطي، حيث ينظم مؤتمرات ويقدم دورات تدريبية على أرقى وأعلى مستوى للأئمة، مشيرًا إلى أن التجديد لا علاقة له بتغيير النصوص والمبادئ، والأصول والقواعد، إنما هو تغيير لطريقة وأسلوب العرض واستنباط الأحكام.
وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» والشيخ النجار:
ما رؤيتك لوضع الأزهر راهناً؟
الأزهر الآن في أفضل مرحلة من مراحله. ورغم ذلك لا ننكر أنه يحتاج إلى تغيير وتجديد بما يتناسب مع معطيات العصر والمتغيرات الموجودة على الساحة، كما نشهد أنّه يُجدد نفسه بنفسه ولا يترك المجال لمن يريدون أن يعبثوا في مقدرات الأمة عن طريق الأزهر بحجة أو أخرى، ويدَّعون أنه يحتاج إلى تطوير وتجديد، ويريدون التدخل في شؤونه تحت أي مسمَّى.
ونحن كعلماء للأزهر نرفض أي تدخل من أي جهة، سياسية كانت أو دينية، خاصة أن هناك تطويرًا مستمرًا للمناهج والمعاهد الأزهرية، فضلًا عن أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية قرر أن يكون هناك معهد لغات في كل محافظة من محافظات مصر على الأقل حسب الطلبة الذين يتقدمون له كسابقة في الأزهر.
وعلى الجانب الدعوي، عمل الداعية لا يقتصر على المسجد فقط، ولكن هناك توجيهات من شيخ الأزهر د. أحمد الطيب أن الداعية يخرج إلى جميع التجمعات أينما كانت في المواصلات أو الأماكن العامة، ويعمل على مدار اليوم، للوصول لنتائج على أرض الواقع.
ما ردك على من يتهمون الأزهر بالضعف والغياب؟
كل من يتهم الأزهر بالضعف، يريد أن يشوه صورته الجميلة عند عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويريد أن يقول لهم إن المشيخة مؤسسة ضعيفة وعلماءها ضعاف، حتى ينصرف الناس عن المؤسسة التي يلتف حولها أكثر من ملياري مسلم حول العالم كله..
فإذا ألصق في أذهان الناس أنه ضعيف، سينفرون وسيبتعدون عنه، وسيكون فريسة سهلة إما للجماعات الإرهابية وإما للمؤسسات العلمانية أو الشيوعية أو غيرها.
وأقول إن الاتهامات تصدر من كل من يقف الأزهر سدًا منيعًا بينه وبين المسلمين، حتى لا تصل إليهم هذه السموم بدعوى التقدم والتغير والتجدد، فالأزهر يقوم بدوره ويمنع كل من يريد أن يضعف دوره في قلوب عقول وفكر المسلمين.
وكيف ترى ازدياد حدة هذا الهجوم في الوقت الحالي؟
ربما يكون ممنهجًا وممولًا، والهجمة الشرسة من كل المتربصين بالأزهر وجميعهم من خارج المؤسسة ولم يدرسوا مناهجه ولم ينهلوا من نهره الفياض، فكل هؤلاء نظن أن لهم أجندات خاصة الهدف منها تشتيت وتفكيك هذه المؤسسة حتى يكون جميع الناس لقمة طرية يأكلونها وقتما يشاءون وكيفما يشاءون.
انطلاقاً من ذلك.. ما دور الأزهر لضمان وجود خطاب ديني وسطي؟
الأزهر الآن ينظم مؤتمرات ويقدم دورات تدريبية على أرقى وأعلى مستوى، كما يتم تزويد الوعاظ بمكتبة كبيرة على مستوى محافظات مصر، لكي تكون دعماً لهم، وستكون هناك نشرات دورية بجميع الآراء في القضايا المستحدثة على الساحة وكيفية مجابهتها ومواجهتها بالطرق العلمية والشرعية، لاسيما دورات للأساتذة والأئمة والوعاظ ومن يعملون في قطاع الفتوى، فهناك تغيير كبير مشهود ومعلوم للجميع.
وماذا عن دور مجمع البحوث الإسلامية للتصدي لفوضى لفتاوى؟
مجمع البحوث الإسلامية أنشأ إدارة للرصد والمتابعة لكل المتغيرات الفكرية على الساحة والفتاوى التكفيرية، خلال شهر ديسمبر الماضي..
مهمتها حصر كل ما يحدث الآن من تربص فكري بالأزهر الشريف أو بالأمة الإسلامية وإعداد البحوث العلمية المعتمدة والموثقة للرد على هؤلاء ثم بعد ذلك سيتم اتخاذ الإجراءات والآليات على أرض الواقع، حتى تصل إلى جميع المسلمين في أنحاء العالم حتى وإن تمت ترجمتها لأكثر من لغة ويتم طباعتها وتوزيعها.
ولأول مرة في تاريخ الوعظ على مستوى مصر أضفنا العنصر النسائي هذا العام، فلدينا واعظات وهو تطور غير مسبوق في الأزهر، يعملن في دروس السيدات وفي فتاوى السيدات ذات الطابع الخاص التي تجد المرأة حياءً وربما لا تسأل في هذه الأسئلة المحرجة، مع الرجال.
قوافل الأزهر
حدثنا عن قوافل الأزهر الدعوية ودورها في الخطاب الديني؟
ثمار القوافل ربما لا يلحظها الجميع مباشرة لأن هدفها ليس هو تغيير فكر من تورط في القتل وسفك الدماء أو عاش في الثغور والجحور لأن هذا لا تستطيع القافلة أن تصل إليه، إنما نعمل على المتحيرين الذين يحاول دعاة التطرف استغلال ثقافتهم الدينية القليلة وتشويش الأمور وتلبيس الباطل بالحق..
ونحن مهمتنا أن نمنع هؤلاء حتى ينحصر الإرهابيون، ويبتعدوا عن استغلال الشباب وجعلهم وقودًا للحرب التي لا يعلم منتهاها إلا الله، فمهمة الأزهر تصحيح عقيدة كل من هو متردد ولم يتخذ قراراً بعد.
يتهم البعض الخطاب الديني الحالي بالجمود.. فما أسباب ذلك من وجهة نظرك؟
الجمود وافد إلينا بأصحابه وأهله، ولفظه المصريون والعرب جميعًا فانحصر في الجبال والثغور وعاش في الصحراء، حتى لا يستطيع أن يصل إلى قلوب وعقول الناس.
وليس هناك جمود في الفكر الديني الأزهري الوسطي ولكن الجمود ظهر في بعض الجماعات مثل السلفية والسلفية الجهادية، والأزهر دائماً ما يجابهه منذ نشأته لأن لديه فكراً وحرية علاوة على مبدأ عدم التسلط الفكري على الغير أيًا كان، فلابد من وجود استيعاب لجميع الآراء الفكرية ..
وكل من يريد أن يلزم أحدًا بفكره فعليه أن يلزم نفسه فقط، أما نحن معشر الدعاة فنُدرس للناس الوسطية وتعددية الآراء وخطورة الفكر المتشدد لكي يكون عندهم مساحة من التفكير والتغيير واستيعاب الأمور الموجودة على الساحة الآن.
من واقع عملك بمجال الدعوة.. ما الذي أدى بنا إلى هذا الخلل القائم في الخطاب الديني؟
ليس هناك خلل في الخطاب الديني، إنما يحتاج إلى تغيير وجهد أكبر ومزيد من الدعم للمؤسسات الدينية لكي تقوم بدورها؛ لأن الأزهر يتعامل بالإمكانيات المتواضعة التي بين يديه سواء كانت مادية أو بشرية..
فمساحة مصر كبيرة تحتاج إلى مزيد من الدعاة، فالأزهر يحتاج إلى أعداد كبيرة منهم، وكذلك الدعم المادي المناسب لمجابهة هذه الجماعات المتشددة الواردة إلى أمتنا العربية.
هذا يقودنا إلى الحديث عن أهم التحديات التي يواجهها الخطاب الديني؟
يواجه فكر الجماعة السلفية المتشددة وما ينبثق عنها من فكر متطرف مثل داعش والقاعدة وغيرهما من المسميات التي تولد من رحم واحد، لأن لديهم أفكاراً من الصعب تغييرها..
ولذلك الدعاة على مستوى العالم العربي والإسلامي يعملون على المتحيرين والمترددين ومن يريدون الانتساب إلى هذه الجماعات فيغيروا أفكارهم، أما التحدي الأكبر فيكمن في أن الذين انخرطوا في هذا الفكر وشربوا منه واختلط بدمائهم وسار عندهم قتل الرجل أفضل وأسهل من قتل دجاجة يعتبرون أخطر ما يواجه الخطاب الديني.
التجديد وآلياته
وما هي آليات تجديد الخطاب الديني برأيك؟
هذا اللفظ موجود منذ مئات السنين، ولا تجد أحداً لديه ملامح واضحة لهذه الآليات ولكن نجد من يريد تغيير ميراث المرأة، بحجة أنه فكر قديم ولا يتناسب مع العصر..
وعندما نحدث الناس عن ستر عورة المرأة والمتفق عليها بين جميع الفقهاء السابقين والحاليين يقولون إن هذا تخلف ولابد من وجود خطاب جديد، لذلك نجد أن هناك من يُريد الانحلال وهناك من يُريد خطابًا للتعايش بين جميع فئات المجتمع.
نحن نريد أسلوباً خطابياً يستوعب كل من يعيش على أرض الدول العربية والإسلامية من المسلمين وغيرهم، ولابد من وجود لجان عليا مشتركة تجمع علماء الأمة، هذه اللجان العلمية الكبرى ترصد التشدد وتضع آليات وتزود الدعاة بالمعلومات التي من خلالها يستطيعون مواجهة هذا الفكر واستيعاب الآخر..
وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتركز على الطبقات ذات الثقافات المتوسطة والقليلة لأن هؤلاء من الغالبية العظمى في الدول العربية وهم الذين يعتبرون داعمين لهذه الجماعات، كونهم فريسة سهلة يسهل تجنيدهم، وبالتالي لابد أن يكون هناك تعاون لتغيير وضعهم الفكري.
رد على اتهامات
يردد البعض أن تجديد الخطاب الديني يخل بالثوابت الدينية.. فما ردك؟
التجديد لا علاقة له بتغيير النصوص والمبادئ، والأصول والقواعد، إنما هو تغيير لطريقة وأسلوب العرض واستنباط الأحكام، فلو تتبعنا التطور الفقهي مع تقدم الزمن، نجد أنه يختلف حسب الوقت والمكان، فالتجديد في الفرعيات وليس في الأصول، حتى يتقبل الآخر من غير المسلمين..
ويتعايش مع العالم في عصر الانفتاح الموجود، لأن الزمن الحالي يختلف مع وقت الانغلاق، فالخطاب الذي كان يصلح من مئة عام لا يصلح الآن في عصر التقنية والتكنولوجيا، والسماوات المفتوحة، حيث إن العالم سار بين أيدينا، وبالتالي لابد من أسلوب للتعايش.
ونجد أن الأزهر بدأ هذا منذ أعوام وأنشأ بيت العائلة المصرية ونظم دورات تدريبية للأئمة المسلمين والمسيحيين، عن كيفية التعايش وتغيير الخطاب الديني، وعن مسألة التكفير، لكن هذا يحتاج إلى دعم مؤسسات كثيرة منها المؤسسات الأمنية والإعلامية.
بأي شكل يتم إعداد خطيب عصري يواكب المستجدات؟
الخطيب العصري لابد أن يكون حافظًا للقرآن الكريم حفظًا جيدًا، ولديه سعة من العلم وثقافة ودراية كاملة بالمتغيرات والأحداث على أرض الواقع، ولابد أن يكون لديه بعض الثقافات الأخرى للغربيين وغيرهم، ويفضل أن يكون ممن يُجيد لغة أخرى حتى يستطيع أن يفهم الآخر وكيفية الرد عليه، وأن يكون مستوعباً للتقنية الحديثة وكيفية التعامل مع الإنترنت.

