تمتاز الشريعة الإسلامية الغراء بصلاحيتها لكل زمان ومكان، واحتوائها احتياجات كل المخلوقات وعلى رأسهم الإنسان، ويعالج خطابها الديني المتجدد احتياجات كل عصر ومصر وفق المقتضيات المستحدثة..

وبما لا يخالف القواعد الأساسية للإسلام، إلا أنه ولظروف معينة تقاعس العلماء في العقود السابقة عن تحديث خطابهم الديني وفق ما يلائم احتياجات المسلم المعاصر، ولهذا سألنا عددًا من العلماء عن خصائص الخطاب الديني الذي ينبغي أن يواكب هذا العصر.. فإلى ما قالوا.

«لا بد أن يراعي واقع الناس وأحوالهم وبما لا يخالف أصول الدين».. بهذه العبارة، أوجز الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية د. محيي الدين عفيفي أهم شروط الخطاب الديني، موضحًا أنه وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، ونموذج من نماذج الإعلام في الوقت نفسه، لهذا فان الدعوة عامة والتي يجسدها الخطاب الديني لا بد وأن تراعي واقع الناس وأحوالهم في كل مجتمع من المجتمعات لكن بما لا يخالف ثوابت الدين.

وتابع: «ربما كان إغفال هذا الشرط هو سبب إعراض الناس عن الخطاب الديني في السنوات الأخيرة، لأنه يحدث الناس من جانب بعيد كل البعد عن واقعهم..

بينما يُفترض في الداعية أن يغوص في واقع المجتمع وأن يعايش أهله وأن ينشغل بهمومهم، لكي يصل إلى علاج هذه الهموم والتي تختلف كثيرًا عن هموم الناس في العصر السابق وغيره، لذا فواجب الداعية أن يطور أسلوبه وفقا للمستجدات التي تجد على الناس حتى يحقق الغاية منه».

متغيّرات العصر

بدوره، أكد أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر د. أحمد طه ريان أن فوضى الفتاوى التي يصدرها أدعياء الدين هي أحد الأسباب وراء خلل الخطاب الديني الحالي، مؤكداً أن الخطاب المعتدل لا بد وأن يتوفر في المتحدث به عدد من الشروط، منها أن يكون هذا الداعي حافظًا للآيات والأحاديث النبوية المتعلقة بالأحكام، وأن يكون دارسًا جيدًا لقواعد الفقه، وأن يكون على علم باللغة العربية وقواعد الصرف والنحو كي يستطيع أن يخرج الحكم أو يستنبطه من الكتاب أو السنة.

ويضيف ريان أن هناك أمراً مهماً جداً، وهو أن يكون الداعي أو الخطيب على وعي ودراية كاملة بمتغيرات الزمن ومستجداته، فما كان يسري قبل الآن قد لا يصلح الآن لتغير الزمن والأعراف والعادات التي قامت عليها.

الدين الخاتم

أما الداعية الإسلامية د. عبلة الكحلاوي فترى أن الخروج من مأزق خلل الخطاب الحالي، يتطلب الوصول إلى خطاب ديني معتدل يلبي احتياجات المسلم المعاصر.

وتضيف: «نحن كأمة إسلامية لا نقبل فصل الدين عن الدولة، لذا لا بد من تجديد الخطاب الديني، بمعنى أن نأخذ من تراثنا ما يتواءم مع أمورنا الحالية، وفي نفس الوقت لا بد من مراعاة المستجدات سواء في حياتنا المعيشية أو الأحكام التي تتصل بالحلال أو الحرام، لا بد أن يراعي كل هذا».

وتؤكد الكحلاوي أنه على المؤسسة الدينية مسؤولية كبيرة أن تدرك أن المعنى الحقيقي لكون الإسلام هو خاتم الرسالات، فكما يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾، فنحن أمام مسؤولية جبارة والواقع يؤكد على هذه المسؤولية، لذا يجب على كل المؤسسات الدينية في مشرقها ومغربها بأن تلبي ختام الرسالة في رسالة الإسلام وان تُراعي كل المستجدات.

وتضيف أنّ «القضية جد خطيرة، على رأسها مواجهة الجمود والتطرف، فعلى كل إمام على منبره وكل أستاذ في مدرسته أن يراعي كيف نربي أبناءنا وأحفادنا على هذه المسؤولية الهامة، وأننا آخر الرسالات السماوية، نريد خطابا دينياً لا يقتلعنا من جذورنا ولا يبعدنا عن مستجدات عصرنا».

تيسير لا تعسير

إلى ذلك، يؤكد الوكيل السابق لوزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة د. سالم عبدالجليل أن الله عز وجل قد أرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم لهداية الناس وعبادته دون تشدد أو تطرف، بل حث على نشر الدين الإسلامي باستخدام اللين والإقناع..

موضحاً أن الخطاب الديني المعتدل لا بد وأن يتوفر فيه عدد من السمات منها احترام جميع آراء المذاهب الفقهية، والحرص على مخاطبة المستمعين على قدر عقولهم وفكرهم، وضرورة الجمع بين لغة الترهيب والترغيب معاً، وأن يشمل الخطاب أمور الدنيا والآخرة وليس أمور الآخرة فقط، مع الأخذ بمبدأ الوسطية والتيسير ..

وليس التعسير، فالدين يسر وليس عسرا، أيضاً من الضروري أن يحرص الخطيب على استخدام لغة القصة الهادفة عند توجيهه لخطابه بعيداً عن الخرافات مع استخدام لغة ولهجة سهلة يفهمها كل الناس، ويُفضل أن تكون فصحى.