للمؤسسات الدينية دور هام في إرسال الدين الصحيح إلى عقول الحائرين، أو المستزيدين أو المسلمين عموماً، فبوجودها يبقى هناك مؤسسة رسمية تحمل راية الإسلام بمباركة مجتمعية، لا تخضع لمصالح شخصية، بقدر ما تخضع للشأن العام، ولكن هل هذا هو دور المؤسسة الدينية الحالية، أم أن هناك غياباً ما قد غلف تلك المؤسسات الرسمية، ليخفت دورها شيئًا فشيئاً؟.. في السطور التالية، نستعرض آراء علماء الدين ونبحث معهم عن الدور الذي يجب تقوم به تلك المؤسسات.
«ضعف دور المؤسسات الدينية كان رغماً عنها خلال السنوات الماضية».. بهذه العبارة الحاسمة بدأ وزير الأوقاف المصري د. مختار جمعة، مبرراً ذلك بأن إعلام الدولة لم يعد يهتم بتقديم كثير من البرامج الدينية التي قد تسهم في تغيير المفاهيم الدينية المغلوطة لدى كثيرين، لكن المؤسسة الدينية الأولى في مصر، وهي الأزهر الشريف، تنبهت لهذا الأمر، وأدركت أهمية الإعلام، وتبنت قناة «أزهري» الفضائية، والتي تهدف إلى رأب الصدع الذي أصاب الثقافة الدينية.
وأضاف جمعة أن وزارة الأوقاف بدورها أطلقت، بالتعاون مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، خطة عمل لتجديد الخطاب الديني، وتحديد آلياته، بمشاركة نخبة متميزة من العلماء والمفكرين، والعمل على تصحيح ما شوّه من صورة الإسلام والمسلمين، وذلك من خلال الصالون الثقافي الرابع للمجلس، والذي يُعقد تحت عنوان «عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه.. طريق التصحيح».
وأضاف أن المؤسسة الدينية المصرية، الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، تعمل بتناغم خلال الفترة الأخيرة لتصحيح ما شاب الخطاب الديني من أخطاء خلال الفترات الماضية، أيضاً تم قصر خُطب الجمعة ودروس المساجد على الأزهريين فقط، والذين خضعوا للعديد من الدورات التأهيلية من أجل تنميتهم فكرياً، بما يتواكب مع المستجدات العصرية والاجتماعية.
تغييب
في الاتجاه ذاته، يوضح مستشار شيخ الأزهر د. محمد مهنا، أن دور المؤسسات الدينية لم يغب، لكنه تعرض للتغييب، وذلك بفعل عوامل كثيرة، سواء سياسية أو دولية، أو لأسباب تتعلق بالإعلام الدولي، وتأثير ذلك الإعلام في ظهور الإسلام بشكل غير صحيح، هذا بجانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية.
وحدد مهنا عدداً من الحلول لتطوير دور المؤسسات الدينية، مفادها أن عودتها مقرون بتحرير الدعوة من المفهوم الوظيفي ومن الروتين، لأن الدعوة رسالة، إذ يقول الله تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فعندما تتحول الرسالة إلى وظيفة، تصبح قيود وروتينية ويتحول الروتين إلى وسيلة للتوسل، فينعكس ذلك سلباً على رسالة الدين، وتصبح المؤسسات ضعيفة، ليتحول الأمر إلى طامة كبرى، وهذا ما ينبغي التصدي له.
تراجع
ويرى أستاذ الشريعة الإسلامية د. أحمد كريمة، أن دور المؤسسات دور ضعيف ومتراجع بالفعل، مؤكداً أن دورها أضحى يقتصر على إقامة المؤتمرات، بالإضافة إلى التصريحات الإعلامية، والتي تُقال لمجرد الاستهلاك المحلي، وذلك لأن القائمين على تلك المؤسسات مجرد موظفين في دولاب العمل الحكومي..
ويتأتى تطوير تلك المؤسسات، من خلال عودة إعلام أزهري حقيقي داخل المؤسسات الرسمية، التي يجب أن تتيح وقتاً ومساحة للحديث عن الدين، ولا تحوله إلى مجرد قشور في حياة الفرد، وكذلك وجود تمويل قوي لتطوير المؤسسات الدينية، بما يمكنها من أداء دورها، ومنه نشر المطبوعات التي تحمل الفكر الأزهري الوسطي.
ضعف الدعم
من جانبه، يوضح د. محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون سابقاً، أن كثيراً من الجهات حاولت أن تشوه صورة المؤسسات الدينية، ما انصب بالسلب على دور تلك المؤسسات، والتي أدت في النهاية إلى عدم وثوق الجماهير في الخطاب الديني، وبالتالي، تم تهميش دور هذه المؤسسات ولم يعد لها ثقل، نتيجة لعدم ثقة الجمهور فيها.
لكنه يؤكد أن الأزهر مليء بالقامات المعتدلة، والكفاءات الكبيرة التي تتساوى في العلم مع كبار العلماء السابقين، مثل الإمام محمد عبده وغيرهم، لكن المؤسسات الدينية، خاصة الأزهر، بحاجة إلى دعم كبير من الدولة، حيث إنها لا تنفق على الأزهر بما يمكنه من القيام بدوره على أكمل وجه.
خطيب عصري يواكب المستجدات.. هذه شروطه
ما أكثر المساجد والمنابر في بلاد المسلمين، لكن ما أقل المستجيبين والمتفاعلين مع ما يقوله وعاظ هذه المنابر.. واقع مؤسف يكشف خللاً جسيماً في أداء القائمين على الوعظ والإرشاد، وافتقار خطابهم الدعوي للتناغم مع المستجدات العصرية والهموم الحياتية التي يواجهها مسلم اليوم، وليس مسلم الأمس.. ولذا، التقينا عدداً من العلماء، ليحددوا أهم المواصفات والشروط التي ينبغي توافرها في الخطيب أو الداعية العصري.
«من المؤسف أن كثيراً من دعاة اليوم لا يلتفتون إلى آيات اللين، بقدر ما تركيزهم على آيات الوعيد».. بهذه الكلمات بدأ المفكر الإسلامي أحمد كمال أبو المجد، موضحاً أن هذا الأمر يجعل كثيراً من عوام المسلمين وغير المسلمين، يظنون أن ديننا ليس دين رحمة، لذا على الخطيب دائماً أن يصبح ليناً في دعوته، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
وحدد أبو المجد عدداً من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الخطيب، منها صفات ضرورية لا غنى عنها للخطيب، مثل طلاقة اللسان، رباطة الجأش، أي أن يكون مطمئن النفس واثقاً من نفسه، ثابتاً غير مضطرب، جهارة الصوت وحسنه، وكذا سرعة البديهة، حتى إذا وجد إعراضاً أو تعرض لموقف محرج أسعفته بديهته بالخروج من محنته وأزمته، وإلا ضاعت الخطبة وآثارها، وهذا يتطلب أيضاً رجاحة العقل، وقوة الشخصية.
وفي هذا الإطار، يشير مفتي الديار المصرية السابق د. علي جمعة، إلى أن أي خطيب عصري يجب أن يهتم بالأفكار التي تركها المستشرقون في ما يتعلق بالدين، لأن بعض الأفكار وضعت بغرض التشكيك في الدين نفسه، وهو ما ينعكس سلباً ضد المجتمع الإسلامي المعاصر، الذي أصبح يأخذ كثيراً من أفكار الغرب، وينبغي أن يتسلح الخطيب المعاصر ضد الأفكار الدينية المغلوطة التي ظهرت على الساحة، والتي يجب أن يكشف مخططاتها، ويعلن سوء منهاجها، وخطأ طريقها.
لا ينحرف ولا يغالي
ويرى نقيب الدعاة السابق في ديوان عام وزارة الأوقاف، الشيخ محمد البسطويسي، من جانبه، أن الخطيب يجب أن يتوفر به صفات مهمة لكي يتمكن من أن يقترب من روح العصر، وفي الوقت ذاته يكمل مسيرة الإسلام الصحيحة، وأولها أن يتلبس حالة الخطبة النفسية، فلا يصح أن يرفع صوته في آيات اللين والرفق، والعكس صحيح، فلا يهدأ وقت الحديث عن الوعيد والعذاب، كما يجب على الخطيب أن يتسع صدره للآراء المغايرة له.


