ترهل وتقاعس المؤسسات الدينية، فشل المؤسسات الثقافية والإعلامية، انتشار الجهل وفقدان الثقة، الرتابة والجمود والتقوقع، استحواذ كثير من المتطرفين والمتشددين على المنابر، وتهافت الشيوخ والدعاة على القنوات الفضائية ووسائل الإعلام.

تلك كانت أبرز تحديات ومواطن الخلل التي حددها علماء التقتهم «البيان» بشأن فشل الخطاب الديني خلال السنوات الماضية في التواصل مع المسلم العادي، الأمر الذي دعا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الدعوة، خلال احتفالات المولد النبوي الشريف، لتجديد الخطاب الديني عبر ما وصفه بـ«ثورة دينية» للتخلص من أفكار ونصوص تم تقديسها على مدى قرون وباتت مصدر قلق للعالم كله.

«البيان» رصدت في السطور التالية تحديات الخطاب الديني ومواطن الخلل به.

المتطرفون.. بهذه الكلمة أوجز أستاذ الفقه المقارن د.عبدالفتاح إدريس، أهم مواطن خلل الخطاب الديني، موضحاً أن اعتلاء المتطرفين والمتشددين المنابر خلال السنوات الأخيرة وبتغاضٍ من المؤسسات الدينية الرسمية كان من أهم السلبيات التي أصابت لغة الخطاب الديني.

وأضاف: «المتطرفون أشاعوا الجهل والفوضى بين الناس، وأطلقوا على أنفسهم دعاة وهم بعيدون كل البعد عن علوم ديننا الحنيف، وبالتالي أضحى الخطاب الديني مخترقاً مهترئاً يدين المسلمين ويحط من شأنهم..

وإننا الآن ندفع الثمن وضريبة اعتلاء هؤلاء المتطرفين للمنابر، فكانت النتيجة خراباً وفوضى وإساءة إلى صورة الإسلام، وفي المقابل تبلد وجمود في الخطاب الديني الرسمي، وهذا يستدعي سرعة التصحيح والتطوير بما يتناسب مع مقتضيات الحياة العصرية للمواطن المسلم».

تربص وتقاعس

بدورها، قالت أستاذ العقيدة والفلسفة د.آمنة نصير: «أستطيع القول إن هناك تربصاً بالمؤسسة الدينية وبخطابها وببعض رجالها، وهذه حقيقة أرصدها بمنتهى الأمانة والدقة..

وفي المقابل فإن هذه المؤسسة، في إشارة إلى المؤسسة الدينية، أصابها التقاعس ولم تعد ترقى بالمسؤولية المعاصرة التي يستطيع من خلالها المسلم العادي أن يواجه تحديات العصر، حتى تركت هذه المؤسسة كثيرًا من الترهل أصبح موضعاً للتندر من بعض السفهاء، أو من يريد أن ينال من الدين ورموزه».

ورأت نصير أنّ هناك «تربّصاً» بالمؤسسة الدينية، «فهناك رغبة من البعض في تنحية الدين عن حياة المسلم، وهو أمر لا نقبله، وهذا ربما أيضًا نتيجة بعض الفضائيات الدينية المتطرفة التي أساءت لصورة الدين السمح، ما أوجد شريحة في المجتمع تبغض التوجه الديني سواء في الشكل أو القول أو الأداء».

فشل

بدوره، يرى الباحث الإسلامي د.عماد مختار أن الخلل الذي أصاب الخطاب الديني في عصرنا الحالي يعود بشكل أساسي إلى فشل المؤسسات الثقافية والإعلامية للوصول إلى الناس بالشكل المراد، بالإضافة إلى ضعف المستوى الثقافي في المجتمع الإسلامي وانتشار المفاهيم الخاطئة حول الإسلام والمسلمين، وكلها أمور أسهمت في عزوف الناس عن المؤسسات الدينية واتساع الفجوة بينهم.

وأضاف مختار أن هذا الخلل يظهر في تعمد بعض رجال الدين والخطباء اقتطاع الآيات القرآنية وتفسيرها بما لا يتسق مع أصول علم التفسير كي تخدم أهواءهم الشخصية، والتسفيه وعدم الاعتراف برأي الآخر، ما جعلهم ينحرفون عن منهج الدين الإسلامي القويم واتباع سياسة الترهيب والتشدد، فكانت النتيجة انتشار الإلحاد والبعد عن الله عز وجل.

دعاة فضائيون

أما أستاذ الدراسات الإسلامية د.محمد أبو ليلة، فيقول: إن كثيراً من الدعاة والشيوخ أصبحوا يتجهون حالياً إلى الدعوة الإسلامية عبر القنوات الفضائية ووسائل الإعلام، ولكن بملاحظة ومتابعة رسائلهم، نجدها تنفر الناس أكثر ما تجذبهم، وهذا التشدد الذي بات يتحدث به كثير من الدعاة أسهم بشكل مباشر في هدم صورة الإسلام الحقيقية..

وجعل المجتمع العربي والإسلامي في خطر حقيقي بسبب الأفكار المغلوطة عن صحيح الدين الإسلامي وسماحته، وعلينا كدعاة التمسك بديننا الوسطي الذي أمرنا به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، والاعتدال في الخطاب الديني، والعمل على اتساقه مع مقتضيات الزمان والمكان.