مع انفجار الثورة التكنولوجية، ظهر بوضوح تقوقع الخطاب الديني على ذاته بالمنهجية نفسها التي كان عليها منذ عشرات وربما مئات السنين، لكن مع النمط المتسارع للعصر لم يعد ممكناً الاستمرار في سياسة الانكفاء على الذات، وبات من الضروري تطوير الخطاب الدعوي بمنهجية تتلاءم مع طبيعة العصر، وبما يعكس الطبيعة العظيمة للإسلام، باعتباره الدين الكامل والصالح لكل زمان ومكان.
وحول كيفية تطوير الخطاب الدعوى، يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية د. أحمد كريمة أنه كتب دراسة تتناول أدوات التحديث وتصحيح الخطاب الديني من خلال ثلاثة محاور، أولها تطوير العملية التعليمية الدينية، وتنقية الأمور التراثية التي تتصل بقضايا في فقه الواقع الآن، موضحاً أن التعليم الديني يحتاج إلى تجديد الرأي الآخر، وهذا الأمر يحتاج إلى خبراء تربويين من أجل إنجازه.
كما أكد كريمة ضرورة مراجعة الأعمال الدعوية من خلال إنشاء مجلس أعلى للدعوة الإسلامية، يضم تيارات ومذاهب متنوعة، ومن ثم الاتفاق على ما يُقال وما لا يُقال، وما يتناسب مع هذه المرحلة وما لا يتناسب معها، وتطبيق قاعدة التعاون في ما تم الاتفاق عليه، والتسامح في ما لم يتفق عليه، ومحاولة التقريب بين المذاهب المختلفة.

وتابع كريمة قائلاً: «هذا إلى جانب إنشاء وزارة للشؤون الدينية تعنى بالرسالات الثلاث السماوية»، كما يجب أن يمتلك القائمون على الخطاب الديني القدرة على حسن الانتقاء، فيقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾.
تنقية
بينما يشير رئيس مجمع اللغة العربية د. حسن الشافعي إلى أن السبيل إلى تطوير الخطاب الديني لا يأتي من أي جهة، ففي الآونة الأخيرة تعددت جهات إصدار الفتاوى التي أصدرت كثيراً من الفتاوى المغلوطة، ما أثار حالة التخبط التي يعانيها العامة..
ومن هنا يجب العناية بمجامع الفقه، ليصبح إصدار الفتاوى دورها الوحيد، حيث تصدر من خلالها الفتاوى البعيدة عن الأفكار الشاذة أو الهدامة، وتنقيتها من أي شائبة، وتقوم بمراعاة ظروف العصر، وفي الوقت نفسه تكون من صميم الدين ولا تعرج عنه.
تسامح
بدوره، انتقل أستاذ الفقه المقارن د. صبري عبد الرؤوف إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة»، مؤكداً أنه يجب من هذا المنطلق أن يكون الخطاب الديني متسامحاً، وأن لا يسمح للمتشددين من خلال خطابهم بتغيير صورة الإسلام السمحة.
ويوضح أنه بالرغم من كل محاولات الإساءة إلى الخطاب الديني وصورة الإسلام لا يصح إلا الصحيح، فلا مكان إلا للخطاب الهادئ المتسامح الخالي من التشدد.
مراقبة
في الاتجاه ذاته، يوضح عضو مجمع البحوث الإسلامية د. محمد الشحات الجندي أن الخطاب الديني يجب أن يخلو من اللغة المنفرة، وهذا من منطلق الأثر القائل: «السعيد من وُعِظَ بغيره، والشقي من وُعِظَ بنفسه»، فيجب أن يخلو الخطاب من اللغة التي تبعد الناس عن الدين، فالدين يسر، وليس عسراً.
وأضاف: «أيضاً يجب أن يكون الخطاب الديني غير خاضع للأهواء السياسية بأي شكل من الأشكال، لأن ارتباط الخطاب بالسياسة سيجعل من الواعظ رجل سياسة وليس عالم دين». كما نصح بضرورة توحيد الخطاب الديني، مبرراً ذلك بأن عدم متابعة أداء الخطب سيجعلها عرضة للمفسدة، وستصبح تبعاً لأهواء كل خطيب، وهو الأمر الذي يستتبع متابعة من الجهات الحكومية بمراقبة أداء الخطباء على منابرهم، من أجل عدم استغلال سلطتهم بطريقة سيئة تسهم في النهاية في الإساءة إلى صورة الإسلام.
