يربط مراقبون في واشنطن بين مذبحة المجلة الكاريكاتورية في باريس وبين قدرة «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من المجموعات المتطرفة، على الاستمرار في حشد وتجنيد وإلهام الأنصار والمؤيدين في الخارج للقيام بالشق الدموي المحلي من المواجهة التي يخوضونها.

 فطالما بقيت هذه التنظيمات محتفظة بحضورها الفاعل على الأرض وبإمكاناتها على تسويق رسائلها، طالما تيسّر لها تنفيذ مثل هذه العملية وسابقاتها مؤخراً كالتي وقعت في استراليا وبعض أوروبا، سواء بالتخطيط المركزي أو بالاستلهام. عن طريق هذه الممارسة المفرطة في دمويتها، يتحقق لهذه القوى غايتان: «الاستقطاب» ..

حيث يتم الفرز بين المواطن الأصلي وبين الآخر المقيم بالهجرة أو الولادة. ثم مراكمة الاحتقان بحيث يتفجر في آخر المطاف بصورة حرب أهلية بين الفريقين. في هذه الحالة، بين الفرنسيين والمواطنين من اصول عربية وإسلامية وبما يكفل استنفار العالم الإسلامي للوقوف إلى جانب المستهدفين واستطراداً إلى جانب هذه الفصائل في حربها مع الغرب.

تكرار المحاولات

التخوف لدى أصحاب هذه القراءة، أن مثل هذه المحاولات قد تكررت. بل من غير المستبعد وقوع «اسوء منها». وكثيراً ما كانت مراجع امنية تذهب في تحذيراتها إلى حدّ القول ان حصول عمليات من هذا النوع، ليس سوى «مسألة وقت فقط». وكثيراً ما يشار في هذا الصدد إلى أن درجة التطرف لدى المقيمين في الغرب «على تزايد».

خاصة في صفوف الجيل الطالع «المعجب» بتنظيم داعش وغيره. ويعود ذلك في الجانب الأكبر منه، إلى استعراضات «داعش» خاصة وعملياتها في العراق وسوريا والتي تبدو أو يجري تقديمها على أنها «انتصارات» تتحقق على أيدي قواتها وتستدعي الدعم والتأييد، فضلاً عن التجاوب مع حملات التجنيد للالتحاق بصفوفها.

هنا تكمن جذور العمليات كالتي وقعت في باريس، كما يرى النائب السابق مايك روجرز الذي شغل منصب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب لغاية آخر السنة الماضية. لذلك هو يدعو «إلى عمل شيء ما في العراق وسوريا» ضد «داعش» وأمثالها.

تجفيف التجاوب

من هناك يبدأ تجفيف التجاوب المؤيد في الخارج وبالتالي قطع الطريق على وقوع مثل هذه العمليات. الخشية لدى أصحاب هذا التحليل، أنه في غياب المعالجة للأصل يصعب التعامل مع الفرع. وعامل الوقت أساسي في هذه الحالة. ذلك أن توالي هذه الهزات الصادمة من شأنه تسريع عملية الاستقطاب وبالتالي النفور والتباعد..

كما هو حاصل في دول أوروبية تشير الوقائع والأجواء إلى أن منسوب العداء فيها للعرب والمسلمين على ارتفاع. خاصة في فرنسا والمانيا والسويد وبريطانيا التي شهدت جميعها صعود وتنامي الأحزاب المنغلقة ذات الخطاب الذي لا تخفى فيه النبرة العنصرية ضد الأجانب خاصة العرب والمسلمين. وهو خطاب معروف في الساحة الأميركية باسم «الاسلاموفوبيا» – الهلع من الإسلام ..

– وينتعش من حين لآخر في أوقات الأزمات والأحداث المماثلة لمجزرة باريس. وظهرت لغته ولو بصورة مبطنة في بعض الردود المتوالية منذ أمس. خاصة المحافظة منها. ومن المتوقع، قياساً على السوابق، أن ترتفع وتيرته في الأيام المقبلة وبما حمل جهات وازنة على إطلاق التحذيرات المبكرة من شمول كافة المسلمين بتهمة الإرهاب، كما قالت «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها. كلام تردد على اكثر من لسان، استباقاً لمحاولات الذي اعتادوا «المتاجرة» بهذه الورقة والذين لا يفوتهم توظيفها من باب التحريض والتنفير.

نقطة انعطاف

نسب إلى معلّق فرنسي قوله ان عملية المجلة تشكل «نقطة انعطاف». هل يكون ذلك في مواجهة الملهمين أو المخططين لها في «داعش» و«القاعدة»؟ وكيف؟ الإدارة الأميركية لم يصدر عنها بعد أكثر من كلام تضامني. ربما بانتظار مؤتمر الأسبوع المقبل في باريس حول ملف الإرهاب. المسلّم به في واشنطن أن التحدّي كبير ومخاطره أكبر والمعركة طويلة.