لعل مرور الذكرى الـ94 لتأسيس الجيش العراقي الأسبوع الماضي, كانت واحدة من أكثر الاحتفالات مرارة في مرحلة ما بعد 2003 إذا ما قيست بكم ونوع الإخفاقات التي نالت منه، فتنظيم داعش يحكم مساحات واسعة من أربع محافظات عراقية، وفي معركة طاحنة مع الجيش الذي تقهقر في يونيو من نينوى وأجزاء واسعة من الأنبار وصلاح الدين وديالى.

حرص مسؤولو الصف الأول، رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير دفاعه خالد العبيدي، على الرفع من شأن الجيش عبر التشديد على الصيغة المستقبلة: سنحرر، سنطرد، سنعيد ..إلخ..

وأيضاً تحية الجيش على «صموده وانتصاراته» التي يحققها. وحده قائد الحشد الشعبي هادي العامري لم يلجأ إلى الأدبيات الترميمية المذكورة، بل لم يذكر الجيش في خطاب خلال تشييع ضابط إيراني قتل في العراق. بالنسبة للعامري فإن القوة الفعلية هي للحشد الشعبي وإيران، فـ«لو لم تكن إيران واللواء قاسم سليماني لكانت حكومة حيدر العبادي حكومة منفى».

كـ«سابق عهده»

خارج الموقفين السابقين هناك انقسامات عميقة تجاه الجيش الذي تحاول الحكومة إعادة بنائه. وفي ذكرى الجيش تباينت التصريحات، الشيعة يريدونه جيشاً فاقداً للذاكرة، فكل الويلات التي لحقت بهم تاريخياً كانت على أيدي الجيش والأجهزة الأمنية حتى العام 2003. وما الانتكاسة أمام «داعش» سوى مؤامرة من «الخونة والعملاء»، على تعبير النائب عن ائتلاف دولة القانون هيثم الجبوري.

بالنسبة للسنة، فالجيش الحقيقي هو الذي تم حله العام 2003، ففي التهنئة التي وجهها رئيس مجلس محافظة الأنبار، صباح كرحوت، إلى العبادي بمناسبة ذكرى التأسيس..

وردت عبارة مليئة بالمعاني المتصلة بالحنين إلى الجيش السابق، فالقيادي الأنباري أعرب عن تمنيه أن يكون الجيش العراق كسابق عهده من التضحيات والبطولات التي قدمها دفاعاً عن أرض العراق وأهله وفرض هيبته بكل بقاع الأرض دفاعاً عن الأمة العربية. أي سابق عهد الحرب مع إيران، قمع الانتفاضتين الشيعية والكردية؟ المهم أن استعادة «سابق عهد الجيش» هو الجيش المنتظر.

الجيش الكردي

كردياً، تسود الحيرة داخلياً أيضاً. إذا كان الجيش بالنسبة للشيعة هو الذي تأسس بعد سقوط النظام السابق، وبالنسبة للسنة هو الذي انتهى مع سقوطه، فبالنسبة للأكراد فإن جيشهم هو البيشمركة، أما الجيش العراقي، على الرغم من تحولاته «ليس جيشنا». وثارت ثائرة نواب شيعة حينما اتهم عضو برلمان إقليم كردستان عن الديمقراطي الكردستاني، فرست صوفي، الجيش العراقي بارتكاب جرائم خطرة..

وأن «الشعب الكردستاني لم يشعر يوماً بأنه جزء من هذا الجيش». زميله النائب عن الحزب نفسه، عرفات كرم، كان أقل حدّة، واعتبر الجيش العراقي من أقوى الجيوش العربية لكنه يفتقر إلى الوطنية.

وعلى عكس الدوائر الرسمية في الإقليم، فقد عطلت وزارة الشهداء في كردستان في ذكرى الجيش للمرة الأولى في تاريخها «عقب البوادر الإيجابية من بغداد».

لكن الكابوس الكردي لم يزل على حاله: جيش عراقي قوي وعنيف. قبيل انهيار القوات العراقية أمام داعش في الموصل، كانت الدوائر القيادية في كردستان في حالة طوارئ لورود معلومات مؤكدة لهم عن نيّة المالكي إخراج البيشمركة من المناطق المتنازع عليها، وربما أبعد من ذلك. سقوط الموصل أبعد هذا الكابوس ليعيش الأكراد هذه المرة في كابوس داعش.

جيش بلا جنود

هذه الانقسامات تجاه مؤسسة الجيش ليس جديداً على العراق، بل إن علّة وجود العراق منذ الاحتلال البريطاني نهاية الحرب العالمية الأولى يعود إلى الجيش، وعلّة الانقسام تعود أيضاً إليه. تأسس الجيش العام 1921.

تأسست وزارة الدفاع من دون وجود جندي واحد. نأى الأكراد والشيعة بأنفسهم عن التطوع، وبقي الجيش أضعف الوحدات العسكرية مقارنة بالقوات البريطانية وقوات الليفي، التي تشكلت من الآشوريين.

كان التجنيد الإلزامي في ذلك الحين يفتقر إلى انتصار ليلقى قبولاً بعد سلسلة هزائم لولا سلاح الجو البريطاني. وفي أغسطس 1933، حقق الجيش أولى «إنجازاته» في مجزرة سيميل ضد الآشوريين، لتكون أول معركة ينتصر فيها الجيش بعد 12 عاماً على تأسيسه، التي ستكون انتصاراته اللاحقة شبيهة بانتصاره الأول مع تبدل هوية الضحايا العراقيين بين مرحلة وأخرى.

ومع بدء التجنيد سنة 1935، رفعت الحكومة مرتبات الضباط لتكون الأعلى، وانتشرت مقولة مسجّعة رددّتها الفتيات في تلك الفترة: «يا ملازم يا مو لازم»، أي إما ملازم في الجيش وإما لا حاجة للزواج.

في الذكرى الـ94 لتأسيسه، يغيب الجيش العراقي عن المشهد الفعلي ويحضر بروتوكولياً. للشيعة جيشهم (الحشد الشعبي) وللأكراد البيشمركة، فيما تربط القوى السنية أي ثورة عشائرية ضد داعش بتشكيل جيشها الخاص: الحرس الوطني، قبل أن يأتي يوم يقول فيه خصومهم تلميحاً أو تصريحاً، إن داعش جيشهم.