يتجنب السياسيون العراقيون وضع النقاط على الحروف في القضايا الحساسة، ولاسيما المتعلقة منها بالأمور المذهبية خشية اتهامهم بـ«الطائفية» التي هي المرتكز الاساسي في العملية السياسية برمتها على الرغم من تحريمها في الدستور العراقي وفق المادة السابعة التي تنص على أنه «يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له». ومن هذا المنطلق، لا يجرؤ أحد على القول إن فكرة الحرس الوطني طائفية بامتياز اقترحها سياسيو المكون السني كرد فعل للتخلص من هيمنة الجيش والميليشيات الشيعية وإساءاتها في المناطق ذات الغالبية السنية، والتي تولدت عنها التنظيمات المتطرفة، ومنها تنظيم داعش.
حلقة ودور
ويرى العديد من المراقبين السياسيين أن «الحرس الوطني» حلقة زائدة في تشكيلات القوات المسلحة «الضخمة والهزيلة». فهو ليس جيشاً وليس شرطة، وفي نفس الوقت لابد منه تلبية لاحد مطالب ساحات الاعتصام التي كان من بين اهم مطالبها اخراج الجيش من المدن. ودستورياً، كما هو عرفياً، لم يتصف جيش ما بعد 2003 بأي من صفات القوات العسكرية الحكومية التي يفترض أن يكون واجبها حماية حدود البلاد من أي خطر خارجي، بينما انهمك هذا الجيش طيلة أحد عشر عاماً باقتتال داخلي، وغالباً ما كان ذا طابع طائفي. كما استُخدم في قمع المطالب الشعبية بشكل شرس. وهذه الصورة من الصعب محوها من ذاكرة ابناء المناطق السنية التي تعرضت للقمع والتشريد والقتل والاعتقالات، وشتى صنوف الاذلال. ويعلق الكثير من المراقبين بأن الجيش ليس سوى شرطة «بملابس مختلفة»، فيما لم تمارس قوات الشرطة المحلية دورها المفترض.
وثيقة أساسية
وبحسب الوثيقة السياسية التي تشكلت على أساسها الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي، كان مطلب تشكيل «الحرس الوطني» شرطاً اساسياً من مطالب اتحاد القوى العراقية «السنية» للمشاركة في الحكومة التي ضمنت هذا الموضوع في برنامجها للحصول على ثقة البرلمان، ولذا لا يمكن التراجع عنه. إلا أن الأمر لن يمر بسهولة بسبب وجود الحرس القديم الذي تسبب بالكوارث للبلاد ومنها تسليم ثلث أرض العراق ومعظم اسلحة جيشه لـ«داعش» إضافة إلى الشرخ الذي أحدثه في النسيج المجتمعي.
مفهوم خاطئ
ومن المفترض أن يتم تشكيل الحرس من أبناء المحافظات ولن يكون مجلوباً إليها، كما في الجيش «السابق» الذي سيكون بعيداً عن المدن ولا تعرف مهامه المستقبلية على الأقل في المدى المنظور. إلا أن هناك مفهوماً خاطئاً لـ«الحرس الوطني» في نظر الكثير من المراقبين والسياسيين، وهو تشكيله من أبناء العشائر في المناطق المعنية. وهذا المفهوم يلفه الغموض، لأن الشعب العراقي كله أبناء عشائر، فيما توجد خلافات واتفاقات داخل العشيرة الواحدة وحتى البيت الواحد، ما يتطلب الابتعاد عن النسخ العتيقة وتشكيل حرس المحافظات على أساس المنطلق الوطني وليس العشائري أو الطائفي أو الفئوي.
غير مقبولة
وفي هذا السياق، كشف نواب وجود تحفظات برلمانية تعرقل الانتهاء من ملف «الحرس الوطني»، وتحدثوا عن إمكانية القبول بتأخير هذا الاتفاق مقابل منح العشائر السنية 100 ألف درجة وظيفية تعود لفضائيين في الدفاع والداخلية، فيما يؤكد اتحاد القوى على تشكيل قوة عسكرية حقيقية من أبناء المناطق تمنح صلاحيات كالتي تتمتع بها قوات البيشمركة. وتقول النائبة عن ائتلاف اتحاد القوى العراقية انتصار الجبوري إن «الخلافات السياسية داخل مجلس الوزراء تمنع تمرير مسودة مشروع قانون الحرس الوطني وإرساله إلى مجلس النواب»، مبينة أن «مجمل الخلافات تتركز على إدارة الحرس الوطني وتنظيمه وتسليحه ودفع رواتبه وصلاحياته». وتضيف أن «إقرار قانون الحرس الوطني محدد ضمن المنهاج الوزاري والورقة الوطنية التي تشكلت بموجبها حكومة العبادي ضمن سقف زمني»، إلا أنها تلفت إلى «تخوف من امكانية ارتباط الحرس بالمحافظ الأمر الذي يعرقل تشريعه».
تحذير أنباري
يذكر النائب فارس طه أن «موضوع الحرس الوطني ما زال يدرس في مجلس الوزراء الذي يواجه تلكؤاً واضحاً من قبل اللجان المشرفة عليه». ويضيف أن «كتلاً سياسية انقلبت على الاتفاق الذي يقر بتشريع قانون الحرس الوطني بحجج كثيرة تتعلق بالصلاحيات والتسليح والإدارة وغيرها من الأمور»، متهماً هذه الكتل بـ«عدم منح المكون السني أي وجود لأبنائه في القوات الأمنية». ويحذر النائب عن الأنبار من عدم إقرار قانون الحرس الوطني في الفترة المقبلة، معتبراً أن «هذه التصرفات ستنهي شهر العسل بين البرلمان والحكومة، والتوافق السياسي».