يقف الكونغرس الجديد، الذي باشر دورته اليوم، على عتبة طرح مشروع قرار يقضي بقطع المساعدة الأميركية للسلطة الفلسطينية، وحرمانها من 400 مليون دولار سنوياً، عقوبة لها لأنها تجرأت وطلبت العضوية في المحكمة الجنائية الدولية، التي تخولها مقاضاة إسرائيل على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني.
خطوة يراها الكونغرس بمثابة «تطاول» على الدولة العبرية، وبما اقتضى «تأديب» السلطة على فعلتها، التي تجاوزت فيها الحدود الممنوعة. الماكينة الإعلامية والدعائية العاملة بخدمة إسرائيل في واشنطن، تقوم بعملية الشحن منذ أخذت السلطة خطوتها أواخر العام الماضي، لتذكير الكونغرس الذي لا يحتاج إلى تذكير في هذا الخصوص، بما يجب عليه القيام به للرد على الجانب الفلسطيني. كما تصوب الحملة على البيت الأبيض لحمله على مماشاة الكونغرس والموافقة على العقوبة الفلسطينية، التي يجري توضيبها كونها هدية لإسرائيل في السنة الجديدة.
والمعروف أن الكونغرس سبق وهدد مراراً بقطع المساعدة، في حال طلبت السلطة العضوية في المحكمة، مع أن قانون المساعدة الذي يتذرع به الكونغرس يربط استمرار العون المالي هذا بعدم لجوء السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة إسرائيل أمامها، وليس لمجرد السعي لاكتساب عضويتها. والمعروف أيضاً أن السلطة لا يسعها رفع شكوى إلى المحكمة إلا بعد ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الطلب. بالرغم من ذلك يبدو أن بند معاقبة السلطة الفلسطينية مرجح ليكون على جدول أعمال الكونغرس في الأيام القليلة المقبلة.
الإدارة اختارت الوقوف في مساحة اللون الرمادي، فهي من جهة تقول، إن خطوة السلطة «التصعيدية» من شأنها أن تؤدي إلى «نتائج عكسية»، ومن جهة أخرى تقول إنها لا ترغب في رؤية المساعدات وقد جرى قطعها، لكن الخارجية حذّرت السلطة من مقاضاة مسؤولين إسرائيليين أمام المحكمة، «لأن لذلك تداعيات»، ملمّحة إلى سلطات الكونغرس، كما أعلنت وقوف الإدارة ضد تجميد إسرائيل لرسوم مستحقة للسلطة الفلسطينية. ويبدو أنها تتجه للعمل على خطين: السعي لتأخير خطوة الكونغرس طالما أن السلطة لم تباشر بعد برفع أي دعوى ضد مسؤولين إسرائيليين، وفي الوقت ذاته، ممارسة الضغوط على السلطة كي تكتفي بطلب القبول لدى المحكمة من دون تفعيله، وإلا خسرت المساعدات.
حالة غضب
أجواء الكونغرس والقوى المطالبة بإنزال القصاص بالسلطة وجعلها تدفع ثمن خطوتها، تشير إلى وجود حالة من السخط والغضب من ولوج السلطة باب مجلس الأمن، ثم المحكمة الدولية. قرارها تعاملت معه هذه الجهات على أنه نوع من التحدي المطلوب الرد عليه بحزم. حتى ولو أنه فشل لغاية الآن. حتى بعض الأوساط التي أبدت تفهمها لتوجه السلطة نحو المؤسسات الدولية «بعد الإحباط الذي تسبب به فشل المفاوضات»، التي قادت إليها سياسات حكومة نتانياهو كما تقول «نيويورك تايمز»، حتى هذه الجهات لم تتقبل الذهاب إلى المحكمة بحجة أن من «شأنه زيادة الأمور سوءاً». وثمة من لا يستبعد أن يؤدي المضي في الرد على الخطوة بهذا الشكل الخانق مالياً، إلى «انهيار السلطة»، ما استوجب إطلاق تحذيرات بوجوب مداراة الأمر، حرصاً على أمن إسرائيل، وليس على استمرار السلطة.
التوجه بوقف المساعدة يحظى بأغلبية كاسحة من الحزبين في الشيوخ والنواب. وقد تطلب الإدارة فسحة من الوقت قبل تنفيذ القطع، لكن ليس من المتوقع أن يدخل البيت الأبيض في مواجهة حول هذا الموضوع، مع الكونغرس.