تستقبل تونس العام الجديد بدخولها رسمياً عصر الجمهورية الثانية، طبقاً لما جاء في دستورها الجديد. وتقضي ليلتها الأولى من 2015، وقد منحت مفاتيح قصر قرطاج لرئيسها الجديد الباجي قايد السبسي، بعد أن شهدت العام الماضي تحولات مهمة في المشهد السياسي، أبرزها الإطاحة نهائياً بحكم الإسلاميين وحلفائهم، واكتفاء حركة النهضة بالمرتبة الثانية في عدد مقاعد البرلمان، وتركها منصة الزعامة لحركة نداء تونس ذات التوجه الليبيرالي الحداثي المدني، المرتبط بطبيعة وخصوصيات الدولة الوطنية. ويشعر التونسيون بحالة من التفاؤل وهم يستقبلون عاماً جديداً، في ظل ما يسميه المراقبون «استعادة الدولة»، بينما سيكون أمام الفريق الحاكم المنتخب تحديات كبرى على جميع الصُّعُد، سواء كانت السياسية منها أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية.
وسيكون يوم 14 يناير يوماً تاريخياً في تونس، حيث سيتم تنظـيم حفل التنصيب الرسمي للرئيس الجديد، تزامناً مع الذكرى الرابعة للإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. وتؤكد المؤشرات أن الحفل سيحظى بحضور عدد كبير من زعماء وقادة الدول ورؤساء الحكومات ومن الوفود العربية والأجنبية ذات التمثيل العالي. وبحسب التسريبات، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، ورئيس الحكومة الجزائرية عبد المالك سلال، والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، ووزير الخارجية الأمريكية جون كيري، سيحضرون الحفل، إضافة إلى وفود من عواصم أوروبية عدة ومن دول الخليج العربي، وهو ما يعني أن تونس ستدخل مرحلة مهمة في علاقاتها الدولية مع دخولها عصر الجمهورية الثانية.
وينتظر أن تشهد الدبلوماسية التونسية حراكاً مهماً خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع التوجهات المعلنة من قبل السبسي، في ما يتعلق بتطوير العلاقات مع الدول المجاورة ومع مصر ودول الخليج العربي، واحترام خصوصيات العلاقات التقليدية لتونس مع واشنطن وباريس، والانفتاح على القوى الصاعدة مثل روسيا والصين وجنوب إفريقيا ودول أميركا اللاتينية، إضافة إلى الاهتمام بالعمق الإفريقي والمتوسطي وتنشيط الدبلوماسية الاقتصادية وإنشاء جدار إقليمي مدعوم دولياً ضد خطر الإرهاب.
كما سيشهد العام الجديد إصراراً على ضمان التوافق الوطني بين مختلف الأطراف الفاعلة، حيث يتجه السبسي إلى أن يكون رئيساً لكل التونسيين بجميع خلفياتهم الفكرية والعقائدية والسياسية. غير أن ذلك لن يتقاطع مع فكرة محورية، وهي الدفاع عن هيبة الدولة ومقوماتها المدنية والحداثية، وعدم السماح باستعمال الخطاب الديني للتأثير في العمل السياسي أو لبث الفتنة في المجتمع، كما أن الترويج للإرهاب سيواجه بحزم استثنائي في تونس، نظراً إلى حساسية الموقف الداخلي والإقليمي والدولي.
ويطمح الحكام التونسيون الجدد إلى أن يكون التوافق الوطني منطلقاً لمصالحة شاملة، ما سيعيد الحراك إلى عجلة الاقتصاد وتنشيط الاستثمار الداخلي والخارجي، واستعادة السياحة زخمها المعتاد، بما يؤثر إيجاباً في الوضع الاجتماعي في البلاد.
