في الأيام الأولى من عمر معركة عين العرب (كوباني) التي دخلت شهرها الرابع، كانت الوفود الإعلامية الأجنبية والعربية والكردية تتدفق يومياً على الحدودية التركية المجاورة للمدينة، منتشية بنزعة السبق الصحافي ومطاردة أية معلومة ثانوية.
ودرجت عادة في مستهل أزمة عين العرب أن تتزاحم الحشود الإعلامية على التلة المطلة على المدينة من الطرف التركي، حتى أكسبت هذه التلة تسمية «تلة الصحفيين». بيد أن هذا الزخم الإعلامي المتزايد سرعان ما خف، ليقتصر نطاق التغطية الإعلامية على كاهل فرق إعلامية صغيرة.
مسببات التراجع
وقد يصعب حصر مسببات هذا التراجع الإعلامي من دون التطرق إلى محتوى المقاصد السياسية المصاحبة للحدث. فعلى الرغم من أن عدد غارات التحالف تجاوز 700، علاوة أن الخسائر البشرية واللوجستية التي مني بها تنظيم داعش فاقت جميع الساحات الرئيسة التي خاض فيها التنظيم معارك ضارية ضد الخصوم، إلا أن لدى الخبراء معطيات تدعوهم إلى الاعتقاد بأن المراوحة في المكان من دون تحقيق حسم لمصلحة طرف مرتبطة بحسابات التحالف الدولي.
سيناريو الهجوم
فسيناريو الهجوم الذي صاحب تقدم «داعش» صوب ثالث المدن الكردية منتصف سبتمبر الماضي، في ظل غياب المجابهة الشرسة من الطرف الكردي، وتمكن على إثره التنظيم خلال أسابيع من الاستيلاء على أكثر من نصف المدينة، كان يشي بأن المدينة الكردية صارت قاب قوسين أو أدنى لتصبح في متناول اليد، وهو تصور شجع التنظيم على أن يدفع بثقله العسكري والبشري من أجل الظفر بانتصار استراتيجي قبل أن يصطدم هذا الطموح بضربات طيران التحالف الدولي المفاجئ.
مشاعر وتدخل
ويصف صدر الدين كنو، وهو إعلامي شاب متحدر من المدينة الانقلاب الإعلامي الذي عصف بمشاعر مؤيدي «داعش» على مواقع التواصل الاجتماعي إبان تدخل التحالف الدولي على الخط، قائلاً: «كنا نتلمس من مناصري داعش في بداية الهجوم على كوباني أنه تم التركيز على تحرير عين الإسلام من الملحدين»، مضيفاً: «لكن دخول التحالف على الخط جعل هذا التنظيم يدرك حجم الخطر المحدق، ويبدو أنه لم يتوقع أن يكون التدخل بهذا الحجم، لذا ارتفعت لهجة المواجهة لديه لتحول هذه المعركة من مجرد تمدد روتيني إلى المواجهة المصيرية».
وعلى إثر التدخل الدولي، استعاد المقاتلون الأكراد مطلع شهر نوفمبر الماضي زمام المبادرة، مدعومين بمقاتلين أكراد عراقيين وآخرين سوريين من فصائل الجيش الحر دخلوا المدينة عبر الحدود التركية. وفي تلك الأثناء، كانت خسائر «داعش» تتراكم بفعل الترسانة العسكرية الجوية والميدانية للخصوم.
سجن وقلعة
ويعتقد الخبراء العسكريين الغربيين أن «داعش» سجن نفسه في موقع شبيه بالقلعة، أي أنه صار عسيراً عليه أن يحتل المدينة بسبب جملة من العوائق العسكرية والجوية الرادعة، كما بات من الصعب عليه أن ينسحب منها لما لذلك من ارتدادات عكسية قد تؤثر في تموضعه على طول الحلقة الممتدة من مدن جرابلس وصرين وتل أبيض، ومن خلفها معقله الرئيس المتمثل في مدينة الرقة. ولعل لجوء التنظيم أخيراً إلى الاحتماء في الأنفاق الأرضية يعد مؤشراً دفاعياً محضاً، إذ يهدف من ورائه إلى تقليل حجم خسائره أمام ضربات طيران التحالف والقوات الميدانية من جهة، والاستماتة في الحفاظ على وجوده قدر المستطاع، لئلا يتعرض إلى هزيمة نكراء من جهة ثانية.
دوافع التحالف
ولا يبدو سيناريو فهم دوافع التحالف من عدم حسم معركة عين العرب أمراً شاقاً من وجهة نظر المراقبين، استناداً إلى العديد من التصريحات الأميركية التي توضح المقاصد الفعلية المرسومة من خلف المعركة، إذ باتت كلمة السر محصورة في احتواء نفوذ «داعش» داخل الأراضي السورية، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية استنزاف قدراتها قدر الإمكان، بحيث لا تشتمل تلك الخطوات في تقويض كيانها كلياً ريثما يجري نسف وجودها في العراق أولاً.
الأكراد
سيطرة القوات الكردية على مساحة 60 في المئة من المدينة إلى هذه اللحظة أمر لا يلبي أدنى طموحاتها، قياساً بحجم الخسائر البشرية والمادية، إذ إن القوات الكردية كانت تمنّي النفس بإنهاء المعركة في وقت محدد. البيان