لم تكن فكرة إقليم البصرة وليدة ليلة وضحاها، بل كانت موجودة منذ بداية تأسيس الدولة العراقية العام 1921، وقبل ظهور النفط، حيث طالب وجهاء البصرة، بعدم ضمها إلى دولة العراق، وتجدد طرح الفكرة بعد الغزو الأميركي للعراق العام 2003.

إلا أنها جوبهت برفض الكتل الشيعية، بتأثير من إيران، كون تشكيل إقليم البصرة، يجهض فكرة «إقليم الوسط والجنوب»، التي كان التحالف الشيعي ينادي بها، والتي تغيرت في ما بعد إلى «السيطرة على العراق كله»، بدل السيطرة الجزئية، من خلال الإقليم الشيعي.

ولكن فشل هذه السيطرة والهزائم التي منيت بها في كل المجالات، أعادت فكرة توسيع صلاحيات المحافظات، ومنحها حق تشكيل الأقاليم، جعلت طرح موضوع إقليم البصرة يتصدر المشهد، بعد ان ثبت اخفاق الإدارة المركزية، التي تتناقض مع النصوص الدستورية.

فكرة الإقليم

وروج مناهضو فكرة تشكيل اقليم البصرة في البداية الى كون العملية من تدبير «بعثي ـ اميركي»، لأن الشخص الرئيسي الذي بادر الى الطرح والتبني، هو القاضي وائل عبد اللطيف، الذي يؤخذ عليه انه كان قاضياً في زمن صدام حسين، وأن الحاكم المدني أميركي بول بريمر هو الذي نصبه حاكماً على البصرة بعد الاحتلال، كما انه كان احد اقطاب القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي.

ولكن القاضي عبد اللطيف لعب على وتر حساس، وهو انسحابه من القائمة العراقية، والانتماء الى «التحالف الشيعي»، قبل تشكيله «حزب الدولة» ومن ثم «تجمع اقليم البصرة»، ومن خلال الانتماء الى التحالف الشيعي اسقط كل الاتهامات السابقة لشخصه، ليعيد الكرّة حول فكرة الإقليم، التي اصبحت تحظى بتأييد ودعم معظم التيارات الشيعية، بالعلن او بالخفاء، اضافة الى الدعم الليبرالي من ابناء البصرة.

التوزع الطائفي

ولابد من تصحيح فكرة خاطئة، وهي القول ان البصرة محافظة شيعية، وهي على مدى تاريخها لم تكن كذلك، الا عند سيطرة الميليشيات عليها، وشن حملة تهجير واغتيالات واسعة للعائلات السنية، الا انها مع كل ذلك لم تصبح شيعية، فالعوائل المهجرة تحتفظ بسجلات انتسابها الى البصرة، مهما بلغ بعدها.

ويشكل العرب السنة ما يبلغ نسبة 35 ـ 40 في المئة، فيما تبلغ مساحة المناطق السنية اكثر من 65 في المئة من المحافظة، وهي التي تحتوي على اهم الحقول النفطية والمنافذ الحدودية والموانئ.

وتعتبر مناطق شط العرب والقرنة والبصرة والمدينة ذات غالبية شيعية، اما قضاء الزبير وام قصر وأبو الخصيب وصفوان والفاو فتعتبر مناطق ذات اغلبية سنية، وبالإضافة إلى المسلمين توجد نسبة من المسيحيين والصابئة المندائيين.

وكان قضاء الزبير طالب بجعله محافظة، كون مساحته تبلغ 54 في المئة من مساحة البصرة، كما انه ـ جغرافيا ـ يفصله شط العرب عن مدينة البصرة.

وذلك يفرض واقعاً مهماً، وهو عدم استطاعة السياسيين الشيعة فرض هيمنتهم على الإقليم المحتمل، كون انفصال الزبير وصفوان والفاو وابي الخصيب عن البصرة يفقدها محتواها الاقتصادي والجغرافي.

حكم متآكل

ومن هذا المنطق، اصبح حتى سياسيو الأحزاب الشيعية يميلون الى الحكم المدني ـ الاقتصادي، بدل الحكم الديني المتآكل،

ويقول قائد حملة اقليم البصرة القاضي وائل عبد اللطيف إن البصرة «لا يوجد فيها طرف قوي، قادر على إيقاف المشروع».

ويقلل عبد اللطيف، الذي سبق ان شغل منصب وزير شؤون المحافظات في عهد حكومة اياد علاوي، من أهمية «المخاوف من مواجهة المشروع من قبل قوى سياسية بعد أن وقفت قوى سياسية دينية ضد مشروعه السابق وأفشلته في عام 2008»، مشيراً الى أن «البصرة في الوقت الحاضر لا يوجد فيها طرف سياسي قوي يمتلك القدرة على منع المشروع ومن يقف ضده سيخسر».

ويرى النائب عن ائتلاف دولة القانون في محافظة البصرة خلف عبد الصمد، ان «الإقليم هو الوسيلة الوحيدة التي تبقت لاسترداد حقوق البصرة من حكومة المركز ورفع المظلومية عنها»، مشيراً الى أن «كتلة الدعوة النيابية مع هذا التوجه لإقامة إقليم في البصرة لنيل استحقاقها كما ينالها إقليم كردستان».

فيما تقول عضوة مجلس محافظة البصرة عن تحالف «البصرة أولاً»، زهرة البجاري، إن «التوجه نحو إقامة إقليم البصرة ليس هو المطلب الوحيد لأبناء المحافظة وإنما طالبت الحكومة المحلية المركز بصلاحيات من دون أن يستجيب لها، الأمر الذي دفع البصرة للمطالبة بإقامة إقليم كونه آخر الحلول لإنصافها».

وتضيف البجاري أن «حكومة المركز أصرت على عدم سحب طعنها بقانون 21 المعدل الخاص للمحافظات والذي يعطي صلاحيات واسعة لها».

المجلس الأعلى

ثبت المجلس الأعلى العراقي برئاسة عمار الحكيم، الذي كان ابرز دعاة اقليم الوسط والجنوب، موقفه من خلال موقع «براثا»، الذي يديره، قائلاً، إن «الدستور العراقي يؤكد بكل وضوح الحق الدستوري الكامل لكل محافظة او بالاشتراك مع محافظات اخرى حق اقامة اقليم فيدرالي، والعقل والمنطق يقول اما ان تكون الفيدرالية لجميع العراقيين او لن تكون هناك اي فيدرالية»، في اشارة الى اقليم كردستان.

ويضيف: «الدولة واحدة والقانون واحد ولا يتجزأ والدستور واحد وأي استثناء او عرقلة سيعتبر خرقاً للدستور يستوجب مجابهته قانونياً وبرفض شعبي لا حدود له، سيقود العراق الى فوضى ومتاهات مجهولة».