أتى انتخاب الباجي قائد السبسي رئيسا لتونس مدشّناً لعصر الجمهورية الثانية التي يؤسّس لها الدستور الجديد، وليخرج البلاد من مرحلة الفوضى الايديولوجية التي طبعت المشهد خلال ثلاثة أعوام من حكم الإسلاميين، وهو حكم وإن تمت الإطاحة به شكلياً من خلال حكومة المهدي جمعة، إلّا أنّه استمر في العام 2014 عبر المجلس الوطني التأسيسي .
ومن خلال تأثير حركة النهضة في مفاصل الدولة بواسطة التعيينات التي بادرت بها زمن حكومتي حمادي الجبالي وعلي العريض، كما مثّل الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي امتدادا لقوى الإسلام السياسي ليس في تونس وفقط وإنما في المنطقة، وهو ما يفسّره الدعم الكبير الذي لقيته من تلك القوى خلال المواجهة الانتخابية مع قائد السبسي ومن خلال ردود الفعل المتشنجة التي برزت بعد سقوطه المدوية في جولة الإعادة للسباق الرئاسي.
ويمثّل وصول قائد السبسي الى سدة الرئاسة في قصر قرطاج تتويجاً لفوز حزبه حركة «نداء تونس» في الانتخابات التشريعية أواخر أكتوبر الماضي وتسيّده للبرلمان، وهو ما يعطيه أسبقية التحكم في المسار الحكومي والبرلماني في إطار ما سيتحقق من انسجام بين رئاسات الدولة والحكومة ومجلس نواب الشعب في إطار التفاعل الإيجابي مع مفهوم الدولة الذي ما انفك السبسي يشير إليه في جميع تصريحاته وكلماته للشعب.
رفض خطاب
ولعل متأمل المسار الانتخابي يلاحظ أنّ التونسيين لفظوا الخطاب الثوري المتشنج وخاصة لغة الإقصاء ودعوات البعض فتح الملفات القديمة ومحاكمة الدولة الوطنية ورموزها التاريخيين، كما تمت الإطاحة بدعاة الفوضى ممن لم يدركوا طبيعة المرحلة، في حين برز حزب «نداء تونس» المتبني للرؤية البورقيبية كقوة رئيسية في البلاد.
عناوين لامعة
وظهر حزبان ليبراليان جديدان وهما الاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس كعنوانين لامعين من عناوين المرحلة الجديدة، الى جانب تقدّم الجبهة الشعبية باعتبارها تجمّعاً ائتلافياً لقوى اليسار ذات الدور الراسخ في تاريخ تونس.
بينما حصلت حركة النهضة على المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية اعتمادا على معطيات عدة منها ما هو جهوي ومناطقي وثقافي وأيديولوجي، ما يجعل جل المراقبين يرجّحون تراجع حضور الحركة خلال الفترة المقبلة ليعود إلى مستوى حزب عقائدي لا يختلف عن مواقع بقية الأحزاب العقائدية.
أمن ولقمة عيش
ومن خلال نتائج الانتخابات يمكن الوقوف عند استنتاجات عدة، منها أن الشعب التونسي في أغلبيته يريد الحفاظ على مقومات دولته الحديثة ويرفض الإقصاء والقطع مع الماضي .
كما أنّ الشعارات الثورية المتشنجة التي حاول الإسلاميون وحلفاؤهم استعمالها للاستئثار بالحكم فشلت في إقناع الناخبين، وتبيّن أن النسبة الأكبر من الشارع التونسي تبحث عن لقمة العيش والأمان وترفض تقسيم المجتمع تحت شعارات فكرية أو إيديولوجية، كما مثّل هاجس الارهاب دافعاً للتونسيين للإطاحة بالأحزاب والقوى المعتمدة على الخطاب المتشنج.
انهيار أحزاب
انهارت أحزاب في تونس منها التكتّل الديمقراطي للعمل والحريات والحزب الجمهوري وهما حزبان قديمان ومعروفان بمعارضتهما لنظامي بورقيبة وبن علي، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والأحزاب المنشقة عنه كالتيار الديمقراطي وحركة وفاء، كما فشلت الأحزاب المتحدرة من الحزب الحاكم السابق.