يبدو أن تركيا بدأت تستشعر حجم الضرر الذي يُلاحقها تباعاً بسبب دعمها لجماعة الإخوان، الأمر الذي حملها نحو التلميح لضرورة إعادة العلاقات مع مصر وإزالة التوترات السياسية بين البلدين وإيجاد أرضية سلمية، لاسيّما بعدما اعترف العالم بالرئيس عبدالفتاح السيسي رئيساً للبلاد، وهو ما ألمح إليه نائب رئيس الوزراء التركي بولند أريج، في تصريحات إعلامية لم تكن الأولى من نوعها التي يتطرق فيها أريج إلى هذا الشأن.
وانعكس التراجع النوعي في الموقف التركي الذي اتسم بمهاجمة مصر ومعاداة قيادتها منذ ثورة 30 يونيو، في تصريحات نائب رئيس الحكومة التركية التي أدلى بها في حواره لقناة «الجزيرة» القطرية، إذ قال إن أنقرة بحاجة، على صعيد السياسة الخارجية، إلى علاقات صداقة طيبة تستند إلى التفاهم المتبادل وتعزيز العلاقات على الأخص مع مصر ودول الخليج، وجميع البلدان في الشرق الأوسط.
تفعيل المصالحة
وتأتي محاولات أنقرة لتلطيف الأجواء مع القاهرة في أعقاب نجاح المصالحة المصرية ــ القطرية، والتي بدأت تجني ثمارها خاصةً بعد قرار الدوحة إغلاق قناة «الجزيرة مباشر مصر»، فيما يعد أولى خطوات تفعيل المصالحة بوقف الأداة الإعلامية المُحرضة على مصر، استجابة للمساعي التي قادتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر على مدار عام ونصف العام.
وعلى خُطى الدوحة تسير أنقرة، خاصة أن المصالح التركية باتت مهددة في عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر، وهو ما يؤكده خبير العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية سعيد اللاوندي لـ«البيان»، موضحاً أن أنقرة تأثرت بشكل سلبي سياسياً واقتصادياً في معظم بلدان الشرق الأوسط، بسبب تمسكها بدعم الإخوان، وذلك هو السبب الرئيسي في تراجع موقفها؛ خاصةً أن حالة الفتور التي مرت بها علاقاتها مع دول الخليج ألحقت ضرراً كبيراً بها.
مناورات
ولكن يرى مراقبون أنه على الرغم من المناورات الدبلوماسية والسياسية التي تعلنها تركيا أخيراً، بهدف كسب ود مصر؛ إلا أن الواقع الفعلي على أرض الواقع لا يعكس رغبة حقيقية من تركيا في تحسين العلاقات مع مصر، إذ إنها مازالت تفتح أبوابها لاحتواء القيادات الهاربة في الجماعة، فضلاً عن سماحها بعقد أولى جلسات البرلمان المصري المنحل على أرضها، وهو ما يشير إلى أن تركيا سوف تكون بمثابة إيواء للإخوان بعد المصالحة مع قطر.
وعلى الرغم من المرونة التي يبديها الجانب التركي خلال تلك الفترة في التعامل مع مصر، إلا أن الموقف الرسمي لايزال مضطرباً ويتسم بحالة من التخبط، إذ إن تصريحات أريج التي دعا خلالها لإزالة التوتر مع القاهرة، تضمنت أيضاً عدم إدانة لجماعة الإخوان على ممارسات العنف التي تنتهجها، بل إنه نفى عنها صفة الإرهاب من الأساس.
حصان خاسر
لا يستبعد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية طارق أبو السعد، في تصريحات لـ«البيان»، إجراء مصالحة بين القاهرة وأنقرة، خاصةً بعدما فشلت الجماعة على مدار عام ونصفه في إحداث أي تغيير في موقفها سياسياً وشعبياً، وفي ظل دعم كبير من تركيا وقطر، مشيراً إلى أن تركيا بدأت تدرك أنها تراهن على «حصان خاسر» في معركتها، ومن ثمَّ فقد تتخلى عنها لحماية مصالحها في المنطقة العربية.
