فشل المنصف المرزوقي في البقاء على كرسي الرئاسة التونسية غير أنه كسب أكثر من مليون صوت من الناخبين يمثّل ثاني قوة فاعلة سياسيا في البلاد بعد القوة الانتخابية التي يمثّلها أنصار الرئيس المنتخب الباجي قايد السبسي.
وفي حين ترجح بعض المصادر أن يتجه المرزوقي إلى تأسيس حزب سياسي جديد مع القيادي المنسحب من حركة النهضة حمادي الجبالي يحمل اسم «حريات» يعتقد المراقبون أن ذلك سيكون في حالة تحققه على حساب حركة النهضة التي تواجه تحديات بالجملة وخاصة في مستوى العلاقة داخلها بين جناحي الحمائم والصقور.
شاهد على الفشل
فالمرزوقي كان شاهداً على فشل حزبه الأصلي في الانتخابات البرلمانية حيث اكتفى «المؤتمر من أجل الجمهورية» بـ 1.84 في المئة من أصوات الناخبين وبأربعة مقاعد في البرلمان الجديد .
وبالتالي يدرك أن النسبة الأكبر ممن صوتوا له في الدورين الأول والثاني من الانتخابات الرئاسية كانت من أنصار حركة النهضة بالدرجة الأولى ثم من طرفين لا يعترفان عقائديا وفكريا بالديمقراطية والانتخابات وهما الجماعات السلفية وحزب التحرير إضافة إلى أحزاب صغيرة غير ذات تأثير في المشهد السياسي.
وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية كافية لتشير إلى انهيار حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان ثاني قوة سياسية في البلاد بعد انتخابات المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011 وشارك في حكومتي الترويكا الأولى والثانية ووصل بالمرزوقي إلى قصر قرطاج في إطار المحاصصة الحزبية الثلاثية مع حركة النهضة وحزب التكتل الديمقراطي للعمل والحريات.
النهضة والمرزوقي
لم تدفع حركة النهضة بمرشح لها في الانتخابات الرئاسية نتيجة الثقة المبالغ فيها بأنها ستحقق الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية وبأنها ستكتفي بالسيطرة على البرلمان والحكومة خصوصا في ظل دستور يقلّص من صلاحيات رئيس الدولة ويجعلها تقتصر تقريبا على العلاقات الخارجية والأمن القومي والدفاع.
ودفع مصير جماعة الإخوان في مصر بالحركة الى التخلي عن الرئاسة، غير أن فشلها في الانتخابات البرلمانية جعلها في موقف صعب نظرا لاعتبارات عدة منها بالخصوص فوز حركة نداء تونس بالأغلبية مما يمكنه من رئاسة البرلمان والحكومة معا ثم ترشح الباجي قايد السبسي إلى الرئاسة مما يعني أن وصوله إلى قصر قرطاج سيجعله قادرا على بلوغ الرئاسات الثلاث.
موقف دفع بقواعد حركة النهضة وجناحها المتشدد إلى الاندفاع القوي لمناصرة المرزوقي رغم الخلافات السابقة معه، وأكدت قيادات متشددة في الحركة مثل الحبيب اللوز والصادق شورو تمردها على موقف مجلس الشورى الداعي للحياد، وقرر حمادي الجبالي مغادرة الحركة نهائيا، وأعلن حزب البناء الوطني المنشق عن الحركة انضمامه إلى حملة المرزوقي.
كما لوحظ التعاطف التام من قبل الجمعيات والمنظمات ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية التابعة للنهضة مع المرزوقي القريب معها على الأقل من حيث المواقف السياسية المدافعة عن المشروع الإخواني في المنطقة.
عداء تاريخي
وبحسب المراقبين فإن مئة ألف منخرط في حركة النهضة إضافة إلى «خزان انتخابي» بـ800 ألف صوت وقفا إلى جانب المرزوقي خلال جولتي السباق الرئاسي نظرا لاعتبارات عدة منها أساسا العداء التاريخي والسياسي والعقائدي الذي يكنه الإسلاميون للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وللدولة الوطنية الذين يعتبر السبسي نفسه امتدادا لهما ويضاف إلى ذلك أن الإسلاميين يرون في حركة نداء تونس جزءا من تحالف عربي قائم في مواجهة الإخوان وقوى الإسلام السياسي عموما.
من جهته، يميل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلى الاعتراف بالواقع الجديد ويرفض خوض صراع مع حركة نداء تونس وحلفائها وهو في جميع المناسبات يبحث عن فرصة للتفاوض مع السبسي حول حيثيات المرحلة المقبلة، الأمر الذي يرفضه بقوة الجناح المتشدد في الحركة.
تحالف منتهي
يرى مراقبون أن تحالف الإسلاميين مع الرئيس التونسي المنتهية ولايته المنصف المرزوقي انتهى مع خسارته الانتخابية، وأن حركة النهضة ستخسر جزءا مهما من خزانها الانتخابي مقابل محافظتها على قواعدها العقائدية في حين أن أي حزب جديد يؤسسه المرزوقي والجبالي لن يسحب البساط من تحت زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الباحث عن وجه جديد لمشروعه السياسي في إطار محلي.