فتح المرشّح الرئاسي الباجي قائد السبسي أبواب «قصر قرطاج»، بعد فوزٍ ساحق على منافسه الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي في جولة الإعادة بحصده أغلبية 55.6 في المئة مقابل 44.3 لغريمه، وفيما هنّأ المرزوقي السبسي، أشعل غضب أنصاره عنفاً في الحامة وتطاوين جنوبي البلاد، في الأثناء انهمر سيل التهاني على الفائز عبر مهاتفة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والاتحاد الأوروبي والرئيس الأميركي.
وأعلنت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، أنّ «الباجي قائد السبسي فاز في الانتخابات الرئاسية بأغلبية 55.68 بالمئة من الأصوات». وكشف رئيس الهيئة شفيق صرصار عن حصول السبسي على أكثر من 1.7 مليون صوت في الدورة الثانية، مقابل أكثر من 1.3 مليون «44.3 في المئة من الأصوات» لغريمه المنصف المرزوقي. فيما بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 60.1 في المئة.
المرزوقي مهنئاً
وعلى الفور، هنّأ الرئيس التونسي المنتهية ولايته محمد المنصف المرزوقي غريمه السبسي إثر فوزه في جولة الإعادة. وكتب عدنان منصر مدير الحملة الانتخابية للمرزوقي على صفحته الرسمية في «فيسبوك»: «المنصف المرزوقي يهنئ منذ قليل الباجي قائد السبسي بفوزه بالانتخابات الرئاسية».
غضب
ولم ترض النتائج أنصار المرزوقي الذين أثاروا شغباً، استخدمت على إثره الشرطة مساء أمس قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين حاولوا مهاجمة مركز للأمن في مدينة الحامة.
وقال محمد علي العروي الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، إنّ «ما بين 300 و400 شخص أشعلوا العجلات المطاطية في الطرقات، وحاول بعضهم مهاجمة مركز الأمن في الحامة بالحجارة فأبعدتهم قوات الأمن باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع»، مضيفاً أنّ «بعض عناصر الأمن أصيبوا جراء تعرضهم للرشق بالحجارة».
إحراق مقر
في السياق، أفاد شهود عيان أنّ «محتجين غاضبين من فوز السبسي أحرقوا مساء أمس مقر حزب «نداء تونس» في مدينة تطاوين جنوبي البلاد. وقال أيمن النوري وهو من تطاوين: «الشبان الغاضبون من فوز السبسي بدأوا بإحراق عجلات مطاطية، ثمّ توجّهوا لمقر الحزب وأتلفوا محتوياته وأضرموا النار فيه».
مخاوف
من جهته، أعرب الأمين العام لحركة «نداء تونس» الطيب البكوش عن تخوفه من دعوات الخروج في مسيرات ومظاهرات احتجاج، معرباً عن أمله في إتمام عملية انتقال السلطة بطريقة سلمية، وتغلّب العقل على ممارسة العنف.
بدوره، نفى مدير الإعلام والتواصل في حملة المرزوقي ما تمّ تداوله من أخبار بشأن تنظيم تحرّكات احتجاج والدعوة إلى الخروج فيها، قائلاً: «لا علم لأعضاء الحملة بهذا الشأن، ونحن ندعو إلى السلم الاجتماعي لا الفوضى».
لا طعون
على الصعيد، أوضح القيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية طارق الكحلاوي، أنّ «المرزوقي لن يطعن في نتائج الانتخابات»، مضيفاً: «لا نريد تعقيد الانتقال السلمي للسلطة، والمرزوقي سيعلن عن تقبّله للنتائج وتهنئته الفائز، مع دعوته إلى التداول السلمي على السلطة وتهدئة الخواطر».
وأشار الكحلاوي إلى أنّ حزبه سيبقى في مراقبة الوضع السياسي وتطوراته في إطار المناخ الديمقراطي وما تسمح به الممارسات الديمقراطية، منوهاً إلى أنّ «التخوّفات من الهيمنة على السلطة لا تزال قائمة».
أول مهاتفة
وفور الفوز، هنأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي الباجي قائد السبسي بفوزه في الاقتراع الرئاسي، مشيراً إلى أنّ «تصويت الناخبين يعكس الثقة التي يتمتع بها السبسي، وثقتهم في قيادته الناجحة لتونس خلال المرحلة المقبلة، وقدرته على مواصلة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة».
بدوره، أعرب الباجي السبسي عن خالص شكره لاتصال الرئيس المصري، مؤكداً متانة العلاقات بين البلدين، التي وصفها بالعلاقات الاستراتيجية، مشدداً على تضامن البلدين في مواجهة التحديات.
ترحيب أوروبي
إلى ذلك، رحّب الاتحاد الأوروبي بفوز السبسي في الانتخابات الرئاسية، قائلاً إنّها «سطرت صفحة تاريخية في الانتقال الديموقراطي للبلاد».
وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني في بيان، إنّ «الاتحاد الأوروبي مصمم على العمل مع السلطات التونسية الجديدة وكل مكوّنات المجتمع للمساهمة في تعزيز المكتسبات الديموقراطية التي نص عليها الدستور الجديد، وكذلك لمرافقة تطبيق الإصلاحات الضرورية للانتقال الاقتصادي والاجتماعي لصالح كل أبناء تونس».
إشادة أميركية
كما هنأ الرئيس الأميركي باراك أوباما الباجي قائد السبسي بفوزه في الانتخابات الرئاسية. وأشاد أوباما بالانتخابات الرئاسية بوصفها «خطوة مهّمة صوب استكمال انتقال تونس إلى الديمقراطية».
إشادة مراقبين
أكّد رئيسا بعثة المراقبين التابعة لمركز «كارت » أودري غلوفر وعبدالكريم الأرياني، أنّ «الاقتراع في جولة الإعادة سار في ظروف هادئة وسلمية»، إذ أشارت غلوفر إلى أنّ «مراقبي مركز كارتر الـ 65 والموزعين على كامل التراب التونسي لفتوا إلى أنّ الاستحقاق جرى في ظروف سلمية وهادئة، عدا بعض الخروقات البسيطة غير المؤثّرة.
في السياق، أبان عبد الكريم الأرياني أنّ الانتخابات جرت في أجواء مناسبة، مشيراً إلى أنّ أداء هيئة الانتخابات تطوّر كثيراً منذ الانتخابات التشريعية. إلى ذلك، وصف رئيس بعثة الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي اندرياس غروس، الاقتراع في جولة الإعادة بـ «المثالي»، لافتاً إلى أنّ «البعثة لاحظت أن الانتخابات كانت حرّة وديمقراطية».
دولة بورقيبة تعود في ثوب ديمقراطي وبجرعة زائدة من الحريات
بفوز الباجي قايد السبسي بكرسي الرئاسة في قصر قرطاج يكون بذلك خامس رئيس لتونس منذ إعلان النظام الجمهوري في يوليو 1957، فيما يرى مراقبون أن فوزه يعد بمثابة عودة لدولة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لكن بثوب ديمقراطي وبجرعة زائدة من الحريات.
كما يكون من المفارقات البارزة أن السبسي هو السياسي التونسي الوحيد الذي تحمل مسؤوليات مهمة في صلب الدولة خلال كل المراحل السياسية التي عرفتها تونس منذ استقلالها في مارس 1956 بما فيها مرحلة الحكم الملكي الذي أطيح به في صيف 1957.
وتولى حقائب الداخلية والدفاع والخارجية في عهد بورقيبة ورئاسة البرلمان في أوائل عهد بن علي ورئاسة الحكومة الانتقالية بعد الثورة ثم انتخب أول من أمس ليكون أول رئيس للجمهورية الثانية ولمرحلة الاستقرار بعد طي صفحة الحكم المؤقت والمؤسسات الانتقالية.
وجاء فوز السبسي بالرئاسة ليضاف إلى نجاحه السابق في الانتخابات البرلمانية عندما حصلت حركته نداء تونس على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد بمجلس النواب (86 مقعدا) مما جعل نائبه الأول في الحزب محمد الناصر يتولى مهمة رئيس البرلمان.
وبالنظر إلى التحالفات المسجّلة مع بعض الأحزاب الأخرى كالاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس والمبادرة وبعض المستقلين، باتت حركة نداء تونس تمتلك الأغلبية المطلقة داخل البرلمان مما يؤهلها لتشكيل الحكومة المقبلة.
ضربة للإسلام السياسي
ويأتي نجاح السبسي في السباق الرئاسي ليعلن عن دخول تونس مرحلة جديدة في تاريخها متصالحة مع هوية الدولة الوطنية الحديثة التي أسسها الحبيب بورقيبة، وبحسب المتابعين للشأن التونسي فإن فوز السبسي وحزبه يمثل عودة لدولة بورقيبة ولكن في ثوب ديمقراطي وبجرعة زائدة من الحريات التي كانت تفتقدها نتيجة النظام الرئاسي السابق والحزب الواحد المهيمن على مؤسسات الدولة.
كما أن تونس بنتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية تكون قطعت نهائيا مع مشروع الإسلام السياسي الذي حاول السيطرة على الدولة والمجتمع خلال فترة حكم الترويكا، والذي كان مرتبطا بتحالف إقليمي أحرج التونسيين وأساء لعلاقاتهم مع عدد من العواصم العربية.
هزيمة إرهاب
لفت الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية محمد علي العروي، إلى أنّ «تونس انتصرت على الإرهاب والإرهابين»، مشيراً إلى أنّ «مجهودات قوات الأمن الداخلي أسهمت في نحت مسيرة الانتقال الديمقراطي وتصدّت لكل محاولات إفشاله وضرب الدولة المدنية وإحداث البلبلة والفوضى وترهيب الآمنين».
وقال العروي إنّ «نجاح الوحدات المختصة وقوات الأمن الداخلي في القيام بعمليات استباقية ناجحة هو الذي مكّن من خلق مناخ أمني أسهم في إنقاذ المحطات الانتخابية والتصدّي لمخططات المجموعات والخلايا النائمة التي تتربّص بأمن البلاد».

