أدلى الناخبون التونسيون بأصواتهم، أمس في جولة إعادة انتخابات الرئاسة التي تستكمل بها تونس آخر خطوات الانتقال إلى الديمقراطية الكاملة بعد قرابة أربع سنوات من الانتفاضة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي.. وسط تسريبات عن إفشال مخطط لاغتيال المرشّح المتقدّم الباجي قايد السبسي قبل ساعات من فتح مراكز الاقتراع التي كان عدد منها، وبالتحديد في القيروان، هدفاً لهجمات.

وأنهت تونس المسار الانتخابي الذي حدده الحوار الوطني بعد أن أتمت المسارين الحكومي والدستوري أوائل العام الجاري لتطوي نهائيا مرحلة الحكم المؤقت وتدخل مرحلة الاستقرار السياسي.

قال الرئيس الانتقالي المنتهية ولايته المنصف المرزوقي إنّ تونس «نجحت في إنهاء المرحلة الانتقالية بسلام».. فيما أكد رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر أن الانتخابات «آخر جسر يؤدي من المؤقت الى تركيز المؤسسات القارة للدولة استعدادا لبناء النظام الجمهوري الديمقراطي والتشاركي الذي نادى به الدستور»، وفق تعبيره.

ومن جهته، أفاد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي بأنّ انتخابات الأمس تعتبر تتويجاً لخريطة طريق الرباعي الراعي للحوار. كما أبرز رئيس الحكومة مهدي جمعة على أهمية العملية الانتخابية في تحقيق الانتقال الديمقراطي بتونس والمرور الى مرحلة الاستقرار المؤسساتي واكتمال المنظومة السياسية الجديدة القائمة على الديمقراطية.

وتميزت الحملة الانتخابية للدورة الثانية بحدة في خطاب المرشحين وبتبادلهما الاتهامات ما أجج التوتر وأثار استياء كثير من التونسيين.

وقال قائد السبسي ان المرزوقي «متطرف» و«خطير» وانه ما كان له بلوغ الدورة الثانية لو لم يصوت له الاسلاميون والسلفيون الجهاديون. كما قال انه «خرّب البلاد» خلال فترة حكم الترويكا. وفي المقابل يرى المرزوقي ان قايد السبسي (الذي عمل رئيسا للبرلمان بين 1990 و1991 في عهد بن علي، وشغل حتى 2003 عضوية اللجنة المركزية لحزب التجمع الحاكم) يمثّل «النظام القديم» ويعتبر انه خطر على الديمقراطية وعلى الثورة.

وقال المرزوقي للصحافيين بعد تصويته إنّ «اللعبة الديموقراطية تقتضي ان نقبل بالنتيجة... وأن يعتبر من ينتصر نفسه رئيس كل التونسيين، وأنا مستعد ان أهنئ خصمي إن فاز وانتظر أن يهنئني إن فزت».

مرحلة جديدة
وسيكون التونسيون منتصف يناير المقبل مع تنصيب رئيسهم الجديد بعد الإعلان عن النتائج النهائية لجولة الإعادة للانتخابات الرئاسية التي انتظمت أمس وهو الذي سيحكم البلاد لمدة خمسة أعوام طبق ما ينص عليه الدستور، ويقوم الرئيس الجديد بعد تسلمه مقاليد الرئاسة بتكليف شخصية ترشحها حركة نداء تونس ذات الأغلبية في مجلس نواب الشعب، بتشكيل الحكومة العتيدة التي ينتظر أن تستلم مهامها في منتصف فبراير بعد أن يصادق البرلمان على برنامجها الذي ستتقدم به.

ويرى المراقبون أنه وبنهاية الانتخابات دخلت تونس مرحلة جديدة من تاريخها حيث ستنضمّ الى نادي الدول الديمقراطية بعد 58 عاماً على استقلالها في مارس 1956 وبعد أربعة أعوام من الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011. وسيكون المترشح الفائز اول رئيس ينتخب بطريقة ديموقراطية وحرة في تونس التي حكمها منذ استقلالها عن فرنسا سنة 1956 رئيسان هما الحبيب بورقيبة (1987/1956) ثم زين العابدين بن علي (2011/1987).

تحديات مقبلة
وبجولة الاعادة للانتخابات الرئاسية تنهي تونس مرحلة الحكم المؤقت ودخلت مرحلة المؤسسات المستقرة التي ستعمل على إخراج البلاد من النفق خصوصا في ظل وضع اقتصادي متدهور نتيجة التضخم وتراجع سعر العملة المحلية وغلاء الأسعار وضعف الإنتاج وتفاقم العجز التجاري وحالة الافلاس التي تهدد مؤسسات الدولة وارتفاع مستوى المديونية وتكاليف خدمة الدين الخارجي وأمنيا تواجه تونس تحديات حقيقية بسبب الجماعات المسلحة المتحصنة في المناطق الجبلية الغربية وبسبب تردي الرضع الأمني في ليبيا كما تواجه تونس تحديا آخر لا يقل خطورة وهو عودة مئات من المتطرفين من سوريا والعراق والذين ينتمي أغلبهم الى تنظيم داعش لبث الفوضى في داخل البلاد كما يتضح من خلال تسجيلاتهم المسربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

تهديد أمني
وفي هذا المنحى وقبل ساعات من فتح مكاتب الاقتراع، قتل الجيش في منطقة حفّوز من ولاية القيروان (وسط) مسلحا وأوقف ثلاثة آخرين قالت وزارة الدفاع انهم حاولوا مهاجمة عسكريين يحرسون مدرسة داخلها مواد انتخابية.

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع المقدم بلحسن الوسلاتي إنّ «يقظة العناصر العسكرية وسرعة رد فعلهم مكنتهم من إحباط العملية التي أسفرت عن مقتل مسلح كانت بحوزته بندقية صيد، والقبض على ثلاثة مشتبه بهم أحدهم مصاب في يده، مضيفاً أنّ عسكريا أصيب بجروح خفيفة في كتفه خلال صد الهجوم. وتابع ان وزارة الداخلية فتحت تحقيقا في الحادثة لافتا إلى أن «الارهابيين لا يستعملون عادة بنادق الصيد» في هجماتهم.

وفي أول رد رسمي على هذه الحادثة، قال مهدي جمعة رئيس الحكومة غير الحزبية التي تقود تونس منذ بداية 2014 وحتى إجراء الانتخابات العامة «هي محاولات يائسة لأنهم (المسلحون) واعُون ان اليوم هو آخر شوط لاستهداف المسار (الانتقالي)».

وأضاف جمعة، في تصريحات للصحافيين بعد إدلائه بصوته في أحد مراكز الاقتراع بالعاصمة تونس: «سننتقل من (الوضع) الانتقالي الى الاستقرار، وستكتمل المنظومة السياسية الديمقراطية الجديدة».

نفي تهديد حياة السبسي
وفي السياق، فنّد مصدر امني مأذون ما تم تداوله في بعض سائل الاعلام من احباط محاولة اغتيال المرشح الباجي قايد السبسي ليلة اول أمس مؤكدا على وجود حراسة مشددة على منزل السبسي منذ فترة تم تدعيمها قبيل الإنتخابات.

إضاءة
عرفت تونس ست حكومات في ظل المرحلة الانتقالية، وهي: حكومتا محمد الغنوشي الأولى والثانية، وحكومة الباجي قايد السبسي، ثم حكومتا الترويكا الأولى والثانية وصولا الى حكومة مهدي جمعة التي تواصل مهامها حالياً، فيما تولى فؤاد المبزع رئيس البرلمان في عهد بن علي الرئاسة خلال الفترة الانتقالية الأولى قبل أن يسلم في ديسمبر 2011 مقاليد المنصب للمنصف المرزوقي الذي تولى الرئاسة في إطار التحالف الذي انبثق عن المجلس التأسيسي بين أحزاب حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي للعمل والحريات.

11000
تجري عمليات التصويت في نحو 11 ألف مكتب اقتراع موزعة على 27 دائرة انتخابية داخل تونس.

وبالنسبة الى التونسيين المقيمين في الخارج بدأت عمليات التصويت منذ الجمعة وتتواصل حتى الأمس.