تلعب عوامل عدة دورها في عدم تمكن قوات «داعش» من تحقيق تقدم على الأرض في منطقة كردستان العراق، تكاد تشابه إلى حد بعيد عوامل عدم تمكن القوات الحكومية من تحقيق تقدم يذكر في مناطق غرب وشمال بغداد ذات الأغلبية السنية.
ومن اهم هذه العوامل «الأرض والجمهور» كما في كرة القدم، حيث تقاتل تلك القوات في غير ارضها، وفي وسط ينظر إليها والى تصرفاتها الاستفزازية للسكان كأنها «قوات احتلال» لفرض هيمنة طائفة على اخرى، فيما تجهل خبايا الأرض وتشعباتها.
هكذا يبدو الأمر بالنسبة لقتال «داعش» في المناطق الكردية او القريبة منها حيث كرست عقود طويلة من الصراعات والاقتتال تغليب الشعور القومي على سواه، حتى لدى الجماعات الدينية، ومنها المتشددة، التي استطاعت القيادات السياسية الكردية استقطابها ودمجها في «العملية السياسية» ما افقد المتطرفين حواضنهم.
ويرى مراقبون سياسيون أن دمج الجماعات الإسلامية المسلحة في العملية السياسية بإقليم كردستان أوجد نوعاً من التفاهم غير المنظور بين سياسيي الإقليم وتنظيم القاعدة، ومن بعده «داعش»، بحيث يتجنب احدهما الاصطدام بالآخر، إلى درجة اصبحت فيه البيشمركة متهمة بالتواطؤ مع التنظيم قبل تقدم الأخير باتجاه كردستان.
المناطق الرخوة
وبحسب مشاهدات عينية، كان «داعش» يعتبر المناطق الفاصلة بين البيشمركة والقوات الحكومية «مناطق رخوة» ولاسيما في محافظة صلاح الدين، تسهّل له التنقل والتواصل بين الأنبار وديالى في خط يمتد من الحدود مع سوريا والأردن إلى جبال حمرين في محافظة ديالى، ما يعني السيطرة على خط الوسط بين شمال العراق وجنوبه، من دون المساس بالإقليم.
وفي سياق الحديث عن واقع القوى على الأرض، لابد من تأكيد حقيقة ان تنظيم القاعدة في العراق ابتدأ من منطقة كردستان، حيث أقام القاعديون بعد حرب افغانستان وانسحابهم منها قاعدة لهم في منطقتي بيارة وطويلة بناحية حلبجة، على الحدود الإيرانية، وكانوا تحت حماية جماعة «انصار الإسلام» التي ساهمت في القتال مع البيشمركة ضد نظام صدام حسين.
واطلق القاعديون على انفسهم اسم «جماعة الجهاد والتوحيد» بقيادة ابي مصعب الزرقاوي التي انفصلت عن «انصار الإسلام» في ما بعد.
وبقيت محصورة في جيب بيارة وطويلة الحدودي حتى عام 2003، عندما قصفت الطائرات الأميركية مواقعهم، وكان عددهم آنذاك أقل من 300 مقاتل، انتشروا بعد القصف في مختلف انحاء العراق وخاصة الغربية منها ليستقطبوا الشباب المناهضين للاحتلال، ومن ثم اعلنوا اندماجهم مع تنظيم القاعدة الدولي.
تقريب الإسلاميين
في هذه المرحلة، لم يبق لتنظيم الزرقاوي نفوذ او قاعدة، لاسيما بعد اندماج الجماعات الإسلامية الكردية بالعملية السياسية، والجهود التي بذلها القادة الأكراد لدى الجانب الأميركي لإطلاق سراح الزعماء الإسلاميين، وفي مقدمتهم علي بابيير، رئيس الجماعة الإسلامية، والاستقبال الجماهيري الكبير الذي اقيم له عند خروجه من المعتقل ووصوله إلى اربيل، والسماح له ولأنصاره بالعمل العلني، ومن ثم المشاركة في الحكومة.
كل ذلك لم يتح لتنظيم القاعدة أن تكون ذات رصيد في الشارع الكردي الذي تغلب فيه النزعة القومية، وان كانت بقيت لبعض عناصر القاعدة خيوط تواصل وتوافقات غير رسمية.
وفي وقت واصلت «القاعدة» القتال ضد الأميركيين، كانت لهؤلاء حظوة في المجتمع الكردستاني، الذي اُشبع حد التخمة بالميل إلى «المحررين» وهنا تكمن القوة الثالثة والضاربة لقوات الإقليم، من خلال العلاقات المميزة بينهم وبين الأميركيين، الذين استنفروا جهودهم للحيلولة دون اقتراب «داعش» من حدود الاقليم بعد سقوط الموصل وانهيار الجيش العراقي.
صدمة البيشمركة
ويلاحظ متابعون للشأن العراقي ان قوات البيشمركة اصيبت بالصدمة في احداث الموصل عند استيلاء «داعش» على مناطق كانت تحت حمايتها، ولاسيما كارثة جبل سنجار وسبي الإيزيديات، ومن هنا تشدد قيادة الاقليم على البيشمركة، لإعادة الاعتبار لهم، وما يرفع معنوياتهم في هذا المجال الدعم العسكري الدولي لهم.
ويضاف إلى ذلك عامل الأرض والجمهور، اذ لا يستطيع المحتل «داعش» المكوث في منطقة يجهل مسالكها، ويحظى بكره سكانها، الذين هبوا لتنظيم انفسهم والقتال لطرد المحتلين.
الأسلوب الاحتلالي
لابد من التأكيد ان قوة البيشمركة في مواجهة داعش، تكمن في العوامل الجغرافية، والديموغرافية، والجيوبولوتيك، ما يستدعي اعادة النظر في السياسات العسكرية في عموم البلاد، وعدم اعتماد الأسلوب الاحتلالي في استعادة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، واستبعاد فكرة اعادة الاحتلال «الشيعي - الإيراني» وضرورة ترك الأمور لأبناء المناطق، الذين هم أدرى بشعابها وتشعباتها.