كانت ساحات الاعتصام في المحافظات ذات الغالبية السنية رمزاً لوحدة هذا المكون الرئيسي في الواقع العراقي، ولم تكن تمثل حزباً أو جهة معينة، بل كانت جماهيرية عامة بقيادات من داخلها غير معروفة في الملعب السياسي.

الا انها استقطبت الكثير من اللاعبين الذين حاولوا البروز واثبات مكانتهم من خلال التأييد لهذا المد الجماهيري الهائل في ست محافظات مهمة والتباري في تقديم الولاءات، وفي نفس الوقت، ضمت هذه الساحات المليونية عناصر من تنظيم داعش الذين لا يؤمنون بالحلول السلمية، ولكنهم يحاولون في نفس الوقت عدم الابتعاد عن ابناء محافظاتهم، كما ضمت منتهزي الفرص، الذي يميلون إلى الاقوى.

خواء الكيانات

وبحسب المراقبين السياسيين، فإن رفض المعتصمين تسييس قضيتهم او تجييرها لصالح جهة معينة، اظهر خواء الكيانات والكتل السياسية، لاسيما مع قرب عام الانتخابات فكان من الضروري لجهات عدة التخلص من هذه الكتلة الكبرى.

وشهدت مجزرة اعتصام الحويجة انفصال جبهة صالح المطلك «العربية» واتجاهها صوب الحكومة، حيث حصل الهجوم بعد خروج الوسيط النائب عن كتلة المطلك، النائب محمد تميم من ساحة الاعتصام، ثم تم تكليف المطلك بتمييع الموضوع بعد تصالحه مع المالكي.

كان تقارب المالكي مع المطلك متوقعا، خاصة بعد طرد الأخير من ساحة اعتصام الرمادي، الا ان أحدا لم يكن في حسبانه انزلاق كتلة رئيس مجلس النواب اسامة النجيفي ومعها جماعة الإخوان المسلمين «الحزب الإسلامي» في المساومة على ساحات الاعتصام.

المساومة الأخطر

ولم يتطرق الكثير من المراقبين إلى مثل هذا الاحتمال على الرغم من ظهور ممثل النجيفي، احمد عبد الله، محافظ الأنبار، على شاشة التلفزيون وهو يخبر المالكي بـ«معلوماته الشخصية» عن وجود 34 من عناصر «داعش» في ساحات الاعتصام.

الأمر الذي اتخذه المالكي ذريعة لضرب ساحة الاعتصام. وما يؤكد ضلوع كتلة النجيفي في هذه العملية، انه لم يتخذ أي اجراء او حتى تأنيب بحق محافظ الأنبار لتأليبه الحكومة ضد ساحات الاعتصام.

واستمرار الدعوات الإخوانية للتهدئة قبيل الانتخابات، الأمر الذي سمح بالفعل لإبعاد قيادات الاعتصام عن الانتخابات، ومنهم النائب الذي حكم عليه بالإعدام احمد العلواني، والسماح لمؤيدي مرشحين محددين ومتفق عليهم، بالوصول إلى صناديق الاقتراع، ومن ثم المساومة لإسقاط التحفظات على القيادي في الحزب الإسلامي سليم الجبوري.

ليصبح رئيسا للبرلمان، مقابل تعهده بتأييد كتلته لولاية ثالثة للمالكي، الذي لم يحصل عليها، بسبب مؤثرات محلية واقليمية ودولية، وخاصة بعد سقوط الموصل، وتمدد «داعش» في الأنبار ومحافظات اخرى.

سنّة المالكي

ويؤكد المراقبون السياسيون ان سقوط الموصل وانهيار الجيش وعوامل اخرى، اسقطت المالكي، لكنها لم تسقط «سنة المالكي» الذين تسلقوا إلى البرلمان ومجالس المحافظات، ولكنهم تخلوا عن مالكيّتهم، حسب مقتضيات الظروف الجديدة، وعادوا إلى الادعاء بأنهم ممثلو السنة، الذين لا يحظون برصيد في الشارع السني.

هؤلاء اليوم يعتلون المنصات السياسية، ليطالبوا بدعم العشائر وتسليحها للقتال ضد «داعش» في حين ادت سياستهم إلى تمزيق العشائر وانشطارها بين «داعش» ومعارضيها ومتخوفين منها، فيما بقيت جماعات المجالس العسكرية المنبثقة من ساحات الاعتصام على موقفها الذي تطور إلى مطالبة بالإقليم السني.

ويلاحظ المعنيون بالشأن العراقي ان ساحات الاعتصام لم تكن ترفع شعار الاقليم، وهو ما كان يدعو اليه الإخوانيون، وبالأخص الحزب الإسلامي، الذين خفّضوا مطالبهم إلى زيادة صلاحيات مجالس المحافظات.

فيما يطرح آل النجيفي مقترح اقاليم المحافظات، ليحتفظوا بمكانة في الشارع الموصلي على الاقل، بعد ان تضاءلت في الشارع السني، وخاصة في الأنبار، التي مازال المجلس العسكري التابع للحراك الشعبي برئاسة علي حاتم السليمان يتمتع بنفوذ جماهيري فيها، الا انه لم يدخل في صدام عسكري مع «داعش» ولا مع القوات الحكومية.

اتجاهات السياسة

ويقسم مراقبون سياسيون اتجاهات الشارع السني، إلى عدة فئات، ابرزها التي تدعو إلى تشكيل إقليم سني موحد بضمانات إقليمية ودولية ومحلية، قبل الدخول في أي عمل ضد «داعش»، وفئة اخرى تطالب بتشكيل عدد من الأقاليم في كل محافظة سنية، وتتصدر هذا الطرح المجالس المحلية وبعض السياسيين، خصوصاً في الموصل وصلاح الدين.

فيما يدعو السياسيون السنة في بغداد إلى إعادة تشكيل النظام السياسي جوهرياً بتعديل الدستور، مع المحافظة على حقوق السنة في المناطق المختلطة، والى جانب هذه الفئات، يوجد «داعش» وجبهة الموالين للحكومة.

الموقف الأميركي

وإزاء هذا الموقف، تسعى الولايات المتحدة، مدعومة بتوافق عربي- تركي، إلى حشد القوى السنية في «الحرس الوطني» وتسليحه وتمكينه من استعادة المناطق السنية من دون تدخل الفصائل الشيعية.

الأمر الذي سيحول مشروع الإقليم السني أمراً واقعاً، تدعمه قوة مسلحة كبيرة، ويهدد النفوذ الإستراتيجي الإيراني، ولهذا السبب هناك تريث شيعي في موضوع الحرس الوطني الذي يتوافق مع مطالب ممثلي ساحات الاعتصام.

وثمة فرضية أخرى يتداولها «سراً» زعماء عشائر وفصائل مسلحة ، مفادها أن أي فئة سنية غير مضطرة لمقاتلة داعش لأن التنظيم سينسحب فور توصل السنة إلى اتفاق شامل.

تقديرات عسكرية

على الرغم من اختلاف التقديرات لعدد عناصر «داعش» في العراق والحديث عن 100 ألف أو 150 ألف مقاتل، فإن مطلعين يؤكدون أن 80 في المئة من هؤلاء انضموا إلى التنظيم بسبب المواقف الحكومية، وبناء على تحالفات محلية مع عشائر وفصائل «تشارك في المفاوضات الجارية الآن»، وأنها مستعدة للانقلاب عليه.

فيما تشير دراسة حديثة إلى أن القوة القتالية الفعلية للجيش العراقي تبلغ حاليا 104 آلاف عنصر فقط، ويضاف إلى هذا العدد حوالي 120 ألف عنصر غير مدرب بشكل كاف من قوات الحشد الشعبي والميليشيات وحوالي 115 ألف عنصر من قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان.