في ضوء التقارير الإعلامية التي تخرج من مناطق نفوذ «داعش» في سوريا، يتضح أن التنظيم ماض في تثبيت سيادته الفعلية من النواحي الأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية غير متأثر عملياً بالاستراتيجية الأميركية، التي تسعى إلى احتواء حركته وشل قدراته.
وكأن الحملة الدولية التي تتعرض إلى انتقادات لاذعة من داخل التحالف وخارجه تثير رغبات لدى «داعش»، بضرورة توسيع دائرة نفوذه نحو حمص، وريف دمشق، ودرعا، وعين العرب (كوباني).
والتمكين من توطيد «دولته» على منوال فرض الهيمنة الشمولية على كل المفاصل الحياتية، حتى إن تطلب الأمر أن تشن سلسلة من حملات اعتقال تعسفية تطال النساء والأطفال في الرقة بشكل يومي تحت ذرائع دينية متزمتة، بغرض إخضاع هذه الشرائح إلى دورات شرعية متشددة من داخل السجون وفق تصورات «داعش».
نوايا الغرب
وتتركز المسؤولية المباشرة بنظر المراقبين حول وقوف «داعش» على قدميه إلى هذه اللحظة ومزاولة نشاطاته من دون عقبات فعلية تهدد كيانه إلى نقاط ضعف ترافق استراتيجية واشنطن، وثمة أطراف بدأت تشكك بنوايا الغرب في حسم صراعه مع «داعش».
ليس لأن التحالف امتنع عن شن الغارات ضد مواقع القوات النظامية بالتوازي مع استهداف مواقع التنظيم، وإنما بدأت تظهر على السطح انعدام جدية واضحة في القضاء على مكامن القوة لدى «داعش»، بحسب مسار الخطط المعلنة ضد التنظيم ذاتها، وتسرد تلك الأطراف مجموعة من المعطيات العينية تحاول تأكيد قناعاتها تلك.
وأول تلك المآخذ، يتمثل في التحليق الدائم لطائرات المراقبة والحربية التابعة للتحالف في الأجواء السورية، في الوقت عينه تتنقل القوافل العسكرية العائدة لـ«داعش» بين المدن والقرى الداخلية، ولا يتم استهدافها إلا في حالات استثنائية.
اقتصاد التنظيم
والمأخذ الثاني الذي يثير حفيظة المراقبين، هو تأخر الأميركيين استهداف المنشآت الاقتصادية والنفطية، التي يديرها التنظيم لما تشكل تلك المصادر المالية من عائدات ترفد خزينة التنظيم يومياً.
واللافت في هذا الشأن، أن التحالف استهل ضرباته التمهيدية في استهداف المواقع النفطية والاقتصادية، غير أنه تراجع بالتدريج نحو تحقيق هذا الهدف، وهو ما أعطى فسحة للتنظيم إلى إعادة انتعاش ذاته اقتصادياً.
حيث لا تزال أسعار الوقود تكاد تكون شبه ثابتة في مناطق هيمنته على الرغم من دخول فصل الشتاء، فضلاً عن أن حركة الآليات العسكرية والمواصلات الداخلية لم تتأثر بالضربات التمهيدية بحسب الأرقام الصادرة من الجهات الإعلامية في الداخل، وهذا المؤشر يفيد بحيازة التنظيم على كميات كبيرة من النفط.
ويتمحور المأخذ الثالث، حول مساعي التحالف في سد المنافذ الحدودية أمام التنظيم، إذ يتهم التحالف بعدم بذل جهود في إغلاق الحدود العراقية السورية أمام تحركات عناصر التنظيم، لا سيما في جبهة الأنبار ودير الزور.
أما المأخذ الرابع، فهو متجسد في مماطلة التحالف في تسليح المعارضة المعتدلة، الأمر الذي يفسح المجال أمام صعود التنظيمات المتشددة لتسيطر على المناطق المعتدلة في ريفي إدلب وحلب، كما شكلت التسويف في تسليح القوات الكردية في سوريا، وفق ما تقول جهات عسكرية من داخل مدينة كوباني، سبب إضافي في تأخير حسم المعركة التي تشهد مراوحة في المكان.
دعم تركي
تؤكد مصادر كردية أن أطراف على علاقة مع الحكومة التركية مستمرة في شراء كميات كبيرة من النفط تقدر بمئات آلاف البراميل، مقابل تزويد التنظيم بالأسلحة والذخيرة المطلوبة، وذلك عبر بوابة تل أبيض وجرابلس.
وثمة تصورات في هذا الصدد تذهب بأن التنظيم يتفنن في اختراق صفوف المعارضة المسلحة الإسلامية المتمركزة في شمال سوريا بغرض الحصول على الأسلحة القادمة من الخارج، وهو ما يعد نوعاً من الالتفاف والتحايل على الرقابة الدولية المشرفة على تدفق الأسلحة إلى المعارضة من البوابة التركية.