خرج الاجتماع الذي عقد بين القوى السياسية الكردية في مدينة القامشلي السورية الأسبوع الماضي، بجملة من القرارات، أهمها تشكيل مرجعية سياسية مؤلفة من 30 عضواً، موزعين بين الكتلتين الرئيستين، هما المجلس الوطني الكردي وحركة المجتمع الديمقراطي إضافة إلى عدد من المستقلين.
ويهدف هذا التوافق الكردي على تشكيل «المرجعية السياسية» إلى توحيد الصف والخطاب الكرديين عامة، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي وضعته حركة المجتمع في إدارة المناطق الكردية في سوريا، كما أنها ستشكل لجاناً تخصصية للبحث مع وحدات حماية الشعب ولجان المرأة سبل إشراك القوات التابعة للمجلس الوطني للدفاع عن المناطق الكردية في وجه هجمات التنظيمات المتطرفة التي تستهدف إخضاع المكون الكردي في شمال شرقي البلاد على وجه الخصوص.
تغييرات مرتقبة
وكان منتظراً إنجاز هذه الخطوة، نظراً لما كان إلزامياً تنفيذه من ضمن البنود الثلاثة التي وقعتها الأطراف المعنية في اتفاقية دهوك التي جرت تحت رعاية إقليم كردستان في وقت سابق، وبهذا قد تشهد المناطق الكردية في الأيام المقبلة جملة من التغييرات على الواقع السياسي والإداري والدبلوماسي والعسكري، والتي كانت مقتصرة فيما مضى على نفوذ حركة المجتمع الديمقراطي الذي ينحدر منها حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة صالح مسلم.
ومن الواضح أن هذا التفاهم الكردي جاء نتيجة للضغوطات الخارجية والداخلية معاً، حيث شكلت هجمات داعش الأخيرة على مدينة كوباني نقطة محورية في هذا الشأن، إذ وضع الشارع الكردي جميع الأطراف السياسية تحت اختبار حتمية تجاوز التناقضات الداخلية والتواصل مع هذه التيارات التي ما برحت أن وقعت أسيرة لخياراتها الضيقة، وعجزت بسبب تشرذمها التعاطي بشكل فعال مع انهيار ثالث المدن الكردية، وتشريد جل سكانها إلى الداخل التركي بطريقة مأساوية، مما اهتزت على ضوئها شرعية تلك التيارات.
وعليه، كانت الدعوات والمناشدات ترجح أن يطغى الواجب الأخلاقي التاريخي على الجانب البراغماتي النفعي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الخسائر المعنوية والمادية التي تنتهك يومياً بفعل حرب مفتوح أمام تنظيم داعش، علاوة على أن المرجعيات الكردية الرئيسية في تركيا وإقليم كردستان هي بدورها كانت أمام مسؤولية مساندة القوى الكردية السورية بغرض إنهاء الخلافات الجانبية وتأسيس المرجعية السياسية.
تعزيز موقف
ويأمل الأكراد أن تخلق هذه المرجعية نوعاً من الارتياح بين القوى السياسية الكردية الموجودة على الأرض، وقد يؤدي هذا التقارب لتعزيز موقفهم أمام المجتمع الدولي والأطراف السورية المحلية، سيما أن تصميم داعش على اجتياح المناطق الكردية لا يزال خطراً قائماً، مما يعني أن الفصائل العسكرية المتمثلة في وحدات حماية الشعب تحتاج إلى دعم عسكري كبير في الأشهر المقبلة.
ومن المرجح في هذه الحالة أن يتجه التحالف الدولي إلى عدم تسليح وحدات حماية الشعب.
ويمكن قراءة خطوة الاتفاق على المرجعية الكردية لمواجهة الشروط التركية المقدمة إلى التحالف الدولي، فتوحيد صفوف الأكراد في سوريا كان مطلباً غربياً أيضا وفق مصادر كردية متعددة، بغرض تمكينهم ليكونوا في مواجهة داعش دون وجود توترات داخلية تنسف أي تحالف مزمع مع القوى الكردية ميدانيا، وهو أمر لم يعد محصوراً على طرف سياسي بعينه، مما قد يفقد الذرائع التركية أهميتها بعدما تبلور هذا المناخ.
انتقادات
لم تمر خطوة الاتفاق على المرجعية الكردية دون خروج انتقادات حادة من قبل جهات تعمل في المنظمات المدنية، وتمحورت معظم الانتقادات، في أن هذه المرجعية تعتبر ناقصة ولا تعبر عن إرادة جميع القوى الاجتماعية، بسبب اختيار ممثليها من منطقة واحدة، وهي منطقة الجزيرة، وإقصاء المناطق الكردية الأساسية الأخرى (كوباني-عفرين)، وبالتالي، فإن هذا التوجه يشكل حالة خطيرة بنظر البعض على مستقبل القضية الكردية.