تعكس احتجاجات الجزائر التي امتدت من العاصمة إلى الجنوب والشرق، واقع الفقر والتهميش الذي يعاني منه الجزائريون، ما يؤكِّد عدم دقَّة التشخيص الحكومي لأسباب الغضب، حيث لجأت السلطة إلى اتخاذ إجراءات تهدئة، لكن التدابير المتخذة لم تعط حلولاً جذرية، بل أصبحت تعطي مسكّنات، وبدلاً من معالجة الأسباب، أصبحت تعالج الآثار بالإطاحة بالمسؤولين الأمنيين.
بالأمس، كانت غرداية، واليوم جاء دور تقرت لأداء ضريبة التهميش والإقصاء التي تعاني منها منطقة ورقلة بكاملها. مأساة سقوط ثلاثة شبان في تقرت، ينبغي أن تكون درساً بليغاً يستخلص منه المسؤولون في مختلف المواقع العِبر اللازمة لمعالجة أيّ احتجاجات اجتماعية في أيّ منطقة بالوطن، فالوضع محتقن في أكثر من جهة، قد يولد انفجاراً اجتماعياً إذا ما لم يتم احتواؤه.
اشتغل النظام في الجزائر منذ قرابة أربع سنوات، أي منذ بداية ما يسمى الربيع العربي، بالحديث عن المخاطر الإقليمية، ونسي حقائق الداخل، ونسي أن مشكلته الأساسية هي إخفاقاته، وأن الخطر الأكبر يأتي من تآكل هيبة الدولة ومصداقيتها، ومن تعــــطيل القانون تحت أي عنوان كان.
ويعتبر المراقبون أن الظلم المسلط بشكل واسع على المجتمع الجزائري، هو بمثابة بذور لانفجار اجتماعي مقبل، والذي يتجلى في بعض الأحيان على شكل حركات احتجاجية محلية وعنف حضري مستفحل. ما يستدعي معالجة حقيقية لمشاكل المواطنين، والتكفل الفعلي بانشغالاتهم واستباق غضبهم بتلبية مطالبهم قبل اندلاع شرارة العنف.
احتجاج الشرطة
وشهدت البلاد قبل شهرين، حركة احتجاجية داخل الشرطة الجزائرية، منطلقة من غرداية، لتنتشر في مدن أخرى، حتى إنها وصلت إلى العاصمة، وسط ذهول السياسيين والمراقبين وصدمتهم، نظراً لأن الاحتجاج داخل الأسلاك النظامية ظاهرة جديدة وغير مألوفة في الجزائر، فضلاً عن أن القانون يمنعها، ما يعني أن المشكلة هناك معقدة، جزء منها سياسي وآخر أمني بحت.
لكن سلبية السلطة وتجاهلها للوضع هناك قد ولد غضباً، ليس فقط عند فئات الشعب، وإنما أيضاً لدى فئات الأمن، الذين وجدوا أنفسهم في مدفع البارود، دون بحث السلطة عن تحسين معيشتهم وتحقيق مطالبهم، لكنها لم تحقق بعد بيئة خصبة لمتابعة عملهم دون أي ضغوطات، ما يؤكد جلياً أن السلطة تبحث دائماً عن التهدئة دون الحلول الجذرية.
العنف مشكلة حقيقية، واللجوء إليه كوسيلة وحيدة للحصول على الحقوق مشكلة أخرى، قد تكون أخطر، فكل الرسائل الآن توحي بأن الاحتجاج العنيف يجدي نفعاً، والعنف يستشري لأنه تحول أيضاً إلى رد على تهميش السلطة للفئات الاجتماعية.
لكن استمرار هذه الوتيرة قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، ما لم تبحث السلطة في الجزائر عن أسباب الاحتجاجات، وتجد وصفة علاجية لذلك تقطع بها كل الأيادي التي تسعى إلى توظيف الاحتجاجات لضرب الأمن العام.
يقظة الشعب
فلو وقع ما وقع في تقرت في بلد آخر من بلدان العالم، لقامت الدنيا ولم تقعد، وكنا بصدد تحريك قوافل الإعلام للحديث عن بوادر الثورة والربيع العربي المتأخر، لكن ذلك لم يحدث في الجزائر، ليس لأن النظام استعمل حنكته في معالجة الوضع، وإنما لأن الشعب الجزائري ملّ من دوامة العنف خلال العشرية السوداء، ولا يريد الدخول فيها مجدداً.
حيث اكتوى بنارها التي أحرقته وأحرقت البلاد بكاملها، لذلك، فإنه يسعى إلى تحقيق مطالبه عبر الاحتجاجات الاجتماعية البعيدة عن التوظيف الحزبي، بحيث يحصل على جزء من المطالب، ولو قليلاً، أحسن من عدم الحصول عليها إذا ما تمادى في العنف.
وبقراءة متأنية لتعاطي السلطة مع حركية الشارع منذ 2011، نقف على حقيقة مؤداها، أنها عادة ما تعد بإصلاحات تعتبرها حلولاً للاحتقان السياسي، وهو ما ساهم في اتهام المعارضة السلطة بمحاولتها ربح المزيد من الوقت.
غير أنه، وبعد أسابيع قليلة من احتجاجات تقرت، سارعت السلطات إلى تحقيق بعض المطالب السياسية لعدد من الأحزاب، وهو التعجيل بتعديل الدستور، ما يؤكد أن السلطة مقتنعة في قرارة نفسها، أن تلك الاحتجاجات، وإن كان طابعها اجتماعياً، إلا أن بعدها يبقى سياسياً.
دعم الدولة
وصل دعم الدولة الجزائرية المباشر للمواطنين في 2013 ما يقارب 25 مليار دولار، موجهة لدعم المواد الغذائية والكهرباء والوقود وغيرها، بينما بلغت قيمة الدعم الاجتماعي نحو خمسين مليار دولار. كما قررت إلغاء المادة 87 مكرر من قانون العمل، وهو القرار الذي يسمح باستفادة أكثر من ثلاثة ملايين عامل من زيادات في الأجور تتراوح ما بين 5 و30 في المئة.
