الحضور الأمني الإيراني في العراق معروف في واشنطن ومسكوت عنه لحسابات غير مجهولة. يدري الأميركيون أن الميليشيات التي تدعمها طهران ويقال أيضاً إن بعض قوات فيلق القدس، تقاتل إلى جانب القوات العراقية.

يبدون من حين إلى آخر التذمر بالتلميح. لكن دخول إيران بسلاحها الجوي لقصف «داعش» خلف الحدود العراقية، فاجأ الإدارة الأميركية. أو هكذا بدا. والذي فاجأ أكثر أن الإدارة تعاملت معه بمزيج من الارتباك والترحيب غير المباشر به كأمر واقع.

في البداية، تجاهلت واشنطن الأمر. قالت إنها سمعت بالإعلان الإيراني عن القصف من دون ان تنفيه أو تؤكّده. لكن تبين أنها كانت على علم بحصول قصف إيراني سابق من هذا النوع. لم تكن هذه المرة الأولى التي قامت فيها الطائرات الإيرانية بقصف مواقع «داعش» على ما نسب إلى مصدر عسكري قوله.

ثم عادت الإدارة واعترفت ولو بصورة ضبابية بالعملية الأخيرة. لكن فيما أعربت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تأجيج الحساسيات العراقية وبالتالي الانعكاس سلباً على التوتر المذهبي الملتهب اصلاً، ذهب الوزير كيري في ذات اليوم إلى حدّ إبداء ارتياحه لهذا التطور طالما كانت نتيجته «إيجابية» كما قال، من حيث انها تصب في إضعاف «داعش».

علامات استفهام

تضارب فتح المجال لطرح أسئلة وعلامات استفهام. هل هو قبول ضمني بمشاركة طهران في التحالف بعد أن استبعدتها واشنطن منه منذ البداية؟ أم أن الإدارة فهمت رسالة طهران التي ارادت بهذه التظاهرة الجوية التأكيد على دورها ونفوذها في العراق وبأنها قادرة على تخريب أية ترتيبات لا تأخذ هذه المصالح بعين الاعتبار وأن واشنطن سلّمت بالأمر الواقع لاجتناب التوتر مع طهران؟

هل كانت هذه الخطوة الجوية رسالة تحذير إلى بغداد أيضاً «كي لا تذهب بعيداً في الركون إلى دعم واشنطن لأن في المنطقة قوى أخرى لها تأثيرها وكلمتها في العراق» على ما قال كينيث بولاك أحد المختصين بالشأن العراقي؟، ثم لماذا نامت الإدارة على القصف الإيراني المتكرر لداعش في العراق والذي كانت على علم بأمره ولم تقرّ به إلاّ على مضض وبالاضطرار بعد أن كشفته طهران؟

لا تنسيق

أسئلة متداولة ولو ان الإدارة حرصت على إزالة أي التباس من خلال تأكيداتها المتكررة على لسان الوزير كيري كما من جانب البيت الأبيض، بأنه «لم يكن هناك أي تنسيق» مع طهران في تلك العمليات. وتأكيدها هذا رغم التساؤلات المشروعة حوله، يميل المراقبون إلى الأخذ به، لأنه الدخول الإيراني بهذا الشكل المكشوف بدا أن وظيفته سياسية وليست عسكرية.

فسلاح الجو الإيراني من بقايا تكنولوجيا السبعينات «أف ـ 4» التي دخلت سن التقاعد من زمان وخرجت طائراته من الخدمة إلى غير رجعة في كافة البلدان التي امتلكتها ما عدا إيران وربما أمكنة أخرى غير ذات وزن جوي.

 وبالتالي فهو غير صالح للمساهمة في المعركة الجارية. ثم أن التحالف ليس بحاجة إلى قوات جوية إضافية، بقدر ما هو بحاجة إلى قوات برّية تتحرك على الأرض لمطاردة «داعش» واقتلاعها من مواقعها. لذلك كانت الطلعات الإيرانية استعراضية وبمثابة ساعي بريد عليه تسليم الرسالة.

لكن مع ذلك يعترف الأميركيون بأن إيران قادرة على وضع العصي في الدواليب العراقية. خاصة وأن واشنطن لا تعتمد سياسة التصدي لهذا الدور بقدر ما تحرص على مسايرته. وفي أحسن الأحوال على ضبطه. الملف النووي لعب دوره في اعتماد هذه السياسة تجاه إيران التي جنت هذه الأخيرة ثمارها في العراق وإلى حد بعيد في سوريا من دون دفع أي ثمن في النووي حتى الآن.