ظاهرة الجنود «الفضائيين» في العراق ليست من الظواهر المستغربة في مؤسسة عسكرية بنيت أساساً على غياب الضوابط التي تقتضيها المهنة وشيوع المحسوبية والانتماءات الحزبية والطائفية، وغالباً ما تكون على أساس توفير «وظيفة» لعاطل عن العمل مقابل رشوة، او اتفاقات مع المسؤولين على مناصفة الراتب مقابل عدم الحضور، وذلك يشمل الوظائف المدنية وليست فقط العسكرية.

ما يثير الانتباه الى «الفضائيين» العسكريين، هو أن أية وحدة عسكرية، من المفترض أن تسجل الحضور يومياً خلال التعداد الصباحي وممارسة التدريب أو توزيع المهام، وهذا ما لم يحصل في الجيش العراقي «الجديد» منذ تأسيسه حتى اليوم.

ويرى مراقبون أمنيون أن الفوضى في المؤسسة العسكرية تكشفت بشكل فاضح من خلال مجازر «سبايكر والصقلاوية والسجر»، وغيرها، حيث لم يعرف لحد الآن عدد الضحايا في هذه المجازر، ولاسيما في «سبايكر»، حيث تراوحت التقديرات بين 700 و 7000، من دون معرفة الوحدات أو الجهات التي ينتسبون اليها.

ويشير المراقبون الى أن العدد المسجل قد يكون أكثر من سبعة آلاف، إلا أن الموجودين فعليا أقل من ذللك بكثير.

ولم يأت رئيس الوزراء حيدر العبادي بجديد، عندما كشف عن وجود 50 ألف جندي وهمي في أربع فرق عسكرية، «في خطوة جديدة في إطار مكافحة الفساد التي يجريها في المؤسسة العسكرية منذ توليه المنصب»، لأن هذه الظاهرة يعرفها القاصي والداني في العراق.

إلا أنها المرة الأولى التي تأتي على لسان مسؤول كبير، هو القائد العام للقوات المسلحة، إضافة إلى ما كشفه مؤخراً رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بأنه انفق مليار دولار لـ «الحشد الشعبي»، الذي لم تعرف أعداده، أو الجهات التي قامت بتوزيعه.

وقبل الدخول في تفاصيل أكثر، فإن التقارير الأميركية تشير الى أن الجيش العراقي فقد خلال الفترة من يونيو الماضي حتى الآن نصف قواه البشرية، بين الإصابات والهروب، او «التبخر»، حيث تعرّضت المؤسسة العسكرية التي كان يديرها بصورة كاملة المالكي، لانهيار كبير بعد هجوم تنظيم «داعش» على مدينة الموصل.

وكشف العبادي الأحد خلال استضافته في مجلس النواب عن «وجود 50 الف اسم وهمي في أربع فرق عسكرية»، وقال في حديثه امام مجلس النواب «خلال فترة زمنية قياسية، خلال شهر واحد استطعت أن اكتشف من خلال التدقيق الورقي، 50 الف فضائي، في اربع فرق عسكرية».

وأضاف العبادي: «أشعر بالأسى لما حدث.. الجنود يقاتلون ويقتلون وغيرهم يستلم الرواتب.. تمكنا من خلال تدقيق بسيط اكتشاف ذلك، وإذا أجرينا تفتيشا على الأرض فسنرى العجائب والغرائب». واعتبر أنّ «الفساد الأخطر هو الموجود في المؤسسة الأمنية».

إجراءات صارمة

من جهته، أوضح الناطق باسم الحكومة رافد جبوري ان العبادي أمر خلال الأسابيع الماضية بتطبيق إجراءات صارمة لاكتشاف الجنود الفضائيين واكتشاف أوجه الخلل في المؤسسة العسكرية خصوصاً من خلال عملية توزيع الرواتب.

وكلمة «الفضائيين» أو الوهميين هي تعبير عن جنود لا يظهر أصحابها ولا يشاركون في القتال، لكن رواتبهم او نسبة منها تدخل جيوب القادة، واتضحت هذه الظاهرة خلال انهيار الجيش أمام تنظيم داعش في شمال العراق.

وأضاف جبوري «تمت عملية تدقيق في بعض الوحدات وقد اكتشف 50 ألف جندي وهمي، ولا نزال نسير في اطار عملية الغربلة وهناك نسبة انجاز كبيرة»، مشيراً إلى أن هذه العملية ستطبق في جميع مؤسسات الدولة وليس العسكرية فقط».

وكان وزير المالية العراقي هوشيار زيباري طالب بإصلاحات عميقة للقضاء على الفساد في الجيش العراقي، خاصة ظاهرة «الجنود الوهميين» الذين لا وجود لهم بينما تذهب مرتباتهم إلى جيوب قادة في الجيش.

وكشف عن أن 23 بالمئة من ميزانية 2015، أي ما يعادل 23 مليار دولار، هي حصة القوات المسلحة، ولا يعلم أحد أين ذهبت موازنة العام 2014، التي لم يتم إقرارها.

وكانت مصادر إعلامية عراقية نقلت عن ضباط في الجيش قولهم، إن «أمراء الأفواج يتقاضون رواتب توازي نحو ثلاثين الى أربعين جندياً يفضلون الجلوس في البيت على أداء واجبهم، وإن هذه الأموال يتقاسمها أمراء الأفواج مع أمراء الألوية وقياداتهم العليا»، ما يعني انتشاراً واسعاً لمافيا «الفضائيين».

فساد الأمن

وإضافة الى «الفضائيين»، كشف عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي النائب عن التحالف الوطني عزيز العكيلي عن وجود ملفات فساد داخل الأجهزة الأمنية الاتحادية، ومنها ظاهرة بيع مناصب مهمة او تغييرها بدفاتر الدولارات (الدفتر يساوي 10 الاف دولار).

وقال العكيلي إنه توجد الكثير من ملفات الفساد داخل الأجهزة الأمنية العراقية، وإن هذه الملفات متنوعة وهي، أولا: انتشار ظاهرة «الفضائيين» في صفوف الجيش والشرطة، وبيع المناصب المهمة، كأمراء الالوية والفرق، بدفاتر الدولارات واختلاس الأطعمة في المواد الغذائية المجهزة للقوات الأمنية، استيراد أسلحة منتهية الصلاحية.

بيع مناصب وزارية

اتخذ الفساد في العراق أشكالاً عدة ومنها بيع المناصب الوزارية بملايين الدولارات حتى أصبح العراق رائداً في اختراعات أساليب وطرق الكسب الحرام وآخرها «الفضائيون» الذين يشترون وظائفهم، ويدفعون لبائعها نصف مرتّباتهم شهرياً.

ويرى مراقبون عراقيون أن الاعتراف بوجود هؤلاء «الفضائيين» في الوزارات الأمنية يجب أن يقود إلى مراجعة وتقييم طريقة اختيار منتسبي الوزارات، ووضع آلية جديدة لضمان اختيار العناصر الكفء والنزيهة، والابتعاد عن المعايير الشخصية وعلاقات القرابة أو الانتماءات الحزبية والطائفية، التي أدت بمجموعها الى ضعف أداء تلك الوزارات.

إعفاء 24 من كبار ضباط «الداخلية»

أعفى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمس، 24 من كبار مسؤولي وزارة الداخلية، في إطار محاولاته لإصلاح القوات المسلحة التي تواجه توسعاً كبيراً لتنظيم داعش، حسب ما أعلن مكتبه. وأوضح مكتب العبادي في بيان أن «مسؤولين جدداً تم تعيينهم في إطار الحركة التي تهدف إلى إصلاح جهاز الأمن وتحسين فعاليته في محاربة الإرهاب».

وكان العبادي كشف أول من أمس، عن وجود 50 ألف جندي وهمي في أربع فرق عسكرية، في خطوة جديدة في إطار مكافحة الفساد التي يجريها في المؤسسة العسكرية. وأعلن الناطق باسمه أن «عملية التطهير ستشمل فضلاً عن الجيش جميع مستويات الدولة».بغداد - أ.ف.ب