«حلفاءُ الأمس أعداء اليوم»، ذلك هو حال العلاقة بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش حاليًا، فثمة صراع قائم بين الطرفين خلال المرحلة الراهنة، لاسيما بعد تمدد الأخير واستحواذه على نطاقات واسعة، فضلًا عن تمكنه من الحصول على مبايعات من قبل العديد من الفصائل الإسلامية في المنطقة، ما ولّدَ شعوراً متنامياً لدى «القاعدة» بأن البساط يُسحب الآن من تحت قدميها.
غير أن «داعش» لا يختلف كثيرًا في أدبياته وأيديولوجيته عن القاعدة، لاسيما أنهما انطلقا من رحم «السلفية الجهادية»، وأن تنظيم داعش ولد في الأساس من رحم «القاعدة،» غير أنه مولودٌ مُتمرد، دفعه تطلعه للزعامة وحمل راية الإرهاب للانفصال، وبدء حرب ضروس مع التنظيم الأم، وقد استخدم في مساعيه نحو الزعامة أسلحته في التكفير التي توارثها عن مختلف الفصائل الجهادية التكفيرية المختلفة بالمنطقة، فضلًا عن آليات القمع والعنف والإرهاب، على غرار قطع الرقاب والقتل الجماعي والعلني .

وما إلى ذلك من عمليات إرهابية ممنهجة، تحت زعم «سلطة دينية»، الأمر الذي دفع إلى تشكيل تحالف دولي يضم عشرات الدول لمواجهته عسكريًا والتصدي لأخطاره، ما أشعل نيران الغضب لدى عناصر تنظيم القاعدة التي باتت في نيران التحالف أيضا في ظل اتباعها أساليب مشابهة.
وفي ضوء ذلك، يقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد في تصريحات لـ«البيان» إن «طبيعة تلك الجماعات التكفيرية الجهادية أنها جماعات متفككة، تُكفر بعضها البعض، وتتنافس حول الزعامة ، وتنقسم على نفسها، وهو ما تم بصورة واضحة في أفغانستان على سبيل المثال، إذ عقب انتهاء الحرب، دخلت تلك الجماعات في صراعات زعامة بينها، إلى أن جاءت حركة طالبان»، مردفًا: «تلك الجماعات تتعامل بمنطق البقاء للأقوى».
واستطرد عيد قائلًا: «الفكرة التفكيرية والجهادية مبنية في هيكلها التنظيمي والفكري على هذا الأساس، فكلما ظهر شخص شعر بالقوة (مثل أبو بكر البغدادي) انشق وانقلب عن الجماعة، ساعيًا نحو الزعامة، لحمل الراية، ليبدأ في الترويج لنفسه، وتبدأ الناس في مبايعته»..
مؤكدًا أن «ذلك الخلل الفكري التنظيمي ينذر بتفتت تلك الجماعات الإرهابية وحدها، من منطلق الصراعات الداخلية، فكل فصائلها تقضي على بعضها البعض، مثل الصراع بين جبهة النصرة كذلك وتنظيم داعش الإرهابي»، مرجحًا أنه «مع مرور الوقت سوف يظهر بديل أو منافس للبغدادي، ويبدأ في تشكيل جماعته الإرهابية، على غرار ما شهده تاريخ تلك الجماعات من انفصال وانشقاقات واسعة».
تواصل الكتروني
وبحسب محللين، فإن «داعش» لديه آليات ميّزته عن «القاعدة»، على غرار قدرته على التواصل الإلكتروني بشباب التيار الإسلامي، الأمر الذي دفعه لاستقطاب وتجنيد العديد من تلك العناصر الشبابية، ما أسهم في إحرازه تقدمًا محورياً ميدانياً على تحركات الفصائل الإرهابية الأخرى ومنها «القاعدة» نفسها.
من جهته، يؤكد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية خالد الزعفراني لـ«البيان» أن تنظيم داعش كان في البداية جزءًا من تنظيم القاعدة، غير أن مؤسس «داعش» أبومصعب الزرقاوي، كان أشد ضراوة في فكر التكفير عن القاعدة نفسها، الأمر الذي دفعه للانشقاق عنها وإنشاء تنظيم داعش، ليتمدد التنظيم بعد ذلك ويتواصل، إلى أن أصبح على ما هو عليه الآن بقيادة أبوبكر البغدادي.
وأردف قائلًا: «هناك سمة رئيسية في فكر تلك الجماعات التفكيرية الإرهابية، وهي أنها تتصارع مع بعضها البعض، وليست موحدة على فكر وايديولوجية واحدة، وإنما يختلفون حول كثير من الأمور، ما يدفعهم للمنافسة، الأمر الذي ولّدَ عددًا من الزعامات والإمارات المختلفة المتنافسة»، واصفًا في السياق ذاته تلك الجماعات على أنهم «يحملون فكر الخوارج، ويقاتل بعضهم البعض».
ويتجسد، حسب الزعفراني، صراع «الزعامة واستعراض العضلات بين الطرفين (داعش والقاعدة)، بإعلان تنظيم البغدادي عن ولاية جديدة هي (ولاية الفرات)، فضلًا عن ولاية بالمغرب العربي، الأمر الذي واجهه تنظيم القاعدة بالإعلان عن فرع جديد لها في شبه القارة الهندية».
وفي المقابل، فإن الأمين العام للحزب الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الجهاد في مصر، محمد أبوسمرة يلفت النظر إلى أن «الضربات التي قام بها التحالف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق، كان لها أثر في توحيد صف الفصائل الإسلامية المقاتلة على الأرض، وتقريب وجهات النظر بين داعش والقاعدة، بعدما وقعت مناوشات بين الطرفين».
ويستطرد ابوسمرة في تصريحات إلى «البيان» أنّ «الجماعات الإسلامية تؤمن أن عدوها الأهم الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فلا مجال للصراع فيما بينها الآن، ويتم تركيز الجهود ضد أميركا والغرب بصفة عامة».
صراع على الغنائم
ومن جانبه، يشير الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد بان إلى أن «الصراع بين داعش والقاعدة هو النتيجة الحتمية للعلاقة بين الكيانات المسلحة الإرهابية». ويؤكد بان، في تصريحات لـ«البيان»، أنه رغم كون الطرفين «جبهة واحدة إلا أنهم وقت الانتصار وتوزيع الغنائم يتم خلق الصراعات والاقتتال بينهما».
بينما أرجع السبب الرئيسي وراء انتشار التنظيم وتمدده لحالة التفكك في البلدان التي تتواجد فيها تلك الجماعات، سواء «القاعدة أو داعش»، كما أن الإدارة الأميركية تستغل التنظيمات المسلحة في زيادة تقسيم الدول العربية بهدف تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة الذي تسعى له.
تحالف مرتقب
يرى المتخصص في الشؤون الإسلامية مؤسس تنظيم الجهاد السابق في مصر نبيل نعيم أن «التحالف بين التنظيمين وارد جداً حتى انتهاء الحرب التي تشنها دول التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على داعش»، وهو ما ظهر بعد إعلان 70 مسلحاً من «جبهة النصرة» انضمامهم لتنظيم داعش رداً على تلك الأوامر، وهو الأمر الذي قد يدفع «القاعدة» إلى أن تعلن مساندتها لـ «داعش» في حربها ضد التحالف.
5
كشف الباحث والخبير في شؤون الحركات الإسلامية طارق أبو السعد عن أن هناك خمس جماعات جهادية، تشكل نواة لتنظيم داعش في مصر. وقال أبو السعد في تصريحات صحافية، إن تلك الجماعات تزود «داعش» و«القاعدة» بالعناصر الجهادية، التي تشارك في العمليات الإرهابية للتنظيمين، سواء في سوريا والعراق أو غيرهما من المناطق.
وأوضح الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية أن تلك الجماعات تتقدمها حركة باسم «حازمون» الداعمة للداعية السلفي حازم صلاح أبوإسماعيل، وهي الحركة التي كانت حاصرت مقر المحكمة الدستورية العليا ومدينة الإنتاج الإعلامي إبان حكم تنظيم الإخوان لمصر خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي.
ورفض أبوالسعد تحديد الجماعات الأربع التي تعمل كمصنع لتزويد التنظيمين بالعناصر الإرهابية، مكتفياً بتأكيد كون قوام «حركة حازمون» يصل من 20 حتى 30 ألف شخص. وأردف قائلاً: «لو توافر المناخ لتلك الجماعات داخل مصر، فإنها سوف تشكل وجهاً أكثر شراسة وإرهاباً من داعش نفسه، إلا أنهم يتحينون اللحظة المناسبة للكشف عن وجوههم بالشارع المصري».
4+4
أعلنت أجهزة الأمن المصرية قبل أسابيع ضبط «خلية تكفيرية» مهمتها تجنيد شبان للانضمام إلى تنظيم داعش والقتال في سوريا. وقالت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية إن جهاز الأمن الوطني في مدينة بورسعيد، المطلة على قناة السويس، ضبط أربعة أشخاص بتهمة «تكوين خلية تعتنق الفكر التكفيري وتجنيد صغار الشباب للانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي، والقتال معه في سوريا».
وأوضحت وزارة الداخلية أن المتهمين الموقوفين أقروا بأن عدد أفراد الخلية بلغ ثمانية أشخاص، أربعة تم توقيفهم وأربعة آخرون موجودون حالياً في سوريا. وأحال قطاع الأمن الوطني المتهمين إلى النيابة العامة التي قررت حبسهم 4 أيام على ذمة التحقيقات.
وكانت وزارة الداخلية نفت في سبتمبر أي وجود تنظيمي لـ «داعش» في مصر، لكن وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم ومسؤولين أمنيين كباراً لم يستبعدوا «تأثيراً فكرياً» للتنظيم في بعض الإسلاميين في مصر.
3000
يقاتل نحو ثلاثة آلاف مصري في صفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، وثمة خوف من تسلل بعضهم إلى مصر لتخريب الوضع فيها. وأوضح مصدر أمني مصري أنّ المئات ممن سافروا إلى سوريا في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، انضموا إلى التنظيمات المسلحة في ذلك البلد، مشيراً إلى أن هؤلاء ينتمون إلى جماعة الإخوان والجماعات الجهادية، ومنها الجماعة الإسلامية وأنصار الشيخ السلفي حازم أبوإسماعيل.

