أسدل القضاء المصري الستار على «محاكمة القرن»، واضعاً نقطة في آخر سطر ثلاث سنوات من المداولات والتأجيلات التي اعترضت مسار القضيّة الضجّة، وذلك بتبرئته الرئيس الأسبق حسني مبارك من الفساد وقتل المتظاهرين ووزير داخليته ومعاونيه الستّة، الأمر الذي أثار مشاعر متناقضة في قاعة المحكمة وخارجها، في الأثناء أصدر النائب العام قراراً بتكليف مكتبه الفني إعداد دراسة لحيثيات الأحكام، تمهيداً للطعن في الأحكام الصادرة أمام محكمة النقض.

وبرّأت المحكمة مبارك من اتهامات التآمر لقتل المتظاهرين في العام 2011 والفساد (صفقة تصدير الغاز بأسعار بخسة إلى إسرائيل)، وانقضاء الدعوى الجنائية في قضية اتهام مبارك ونجليه «جمال وعلاء»، ورجل الأعمال حسين سالم بالفساد والتربّح، وبراءة وزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي و6 من كبار معاونيه في قضية قتل متظاهري «ثورة 25 يناير».

وقال فريد الديب محامي مبارك في قاعة المحكمة، إنّ «الحكم كويس وأثبت نظافة عهد مبارك». وكان الديب يتحدث وسط هتافات «مبارك براءة»، و«الله أكبر» أطلقها انصاره في القاعة. وبعد الجلسة، نقل الرئيس المخلوع مبارك بمروحية إلى المستشفى العسكري في حي المعادي جنوب القاهرة حيث يمضي عقوبة بالسجن، وخرج مبارك على كرسي متحرّك ليحيي أنصاره الذين تجمهروا أمام بوابة المستشفى.

طعن في الطريق
في المقابل، أصدر النائب العام المصري المستشار هشام بركات قراراً بتكليف المكتب الفني للنائب العام إعداد دراسة قانونية متكاملة لحيثيات الأحكام التي أصدرتها محكمة جنايات القاهرة بحق مبارك ونجليه علاء وجمال مبارك، ووزير داخليته الأسبق حبيب العادلي، ومساعديه الستة، ورجل الأعمال الهارب حسين سالم، وذلك تمهيداً للطعن بتلك الأحكام أمام محكمة النقض.

لا تعليق
في السياق، رفض رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمّع اليساري رفعت السعيد التعقيب على حكم البراءة، باعتبار أنّه لا تعليق على أحكام القضاء، مشدّدًا على ضرورة التزام الكل باحترام القضاء وأحكامه. وحذّر السعيد في تصريحات لـ «البيان»، من محاولة استغلال الحكم من قبل جماعة الإخوان المسلمين لإثارة الجماهير بالتنسيق مع بعض الحركات التي تدعي الثورية مثل الاشتراكيين الثوريين و«حركة 6 إبريل» وغيرهم، مشيراً إلى أنّ « على الإخوان ألّا ينسوا أنّهم كانوا حلفاء مبارك خلال عهده ودخلوا البرلمان بالاتفاق مع نظامه».

محاكمة سياسية
بدورها، قالت نائب رئيس المحكمة الدستورية العُليا السابقة المستشارة تهاني الجبالي في تصريحات لـ«البيان»، إنّ «الحكم في قضية القرن ليس نهائيًا، وإنّ مبارك لابد وأن يُحاكم محاكمة سياسية على صنيعه لمدة 30 عامًا في حكم مصر»، موضحة أنّ «الأحكام الصادرة ببراءة المتهمين في القضية لا تعفي مبارك من المحاكمة السياسية»، مشدّدة على ضرورة التمييز أنّ القضية ليس قضية قتل متظاهرين فقط بل شعب بأكمله خلال 30 عامًا، وتعريض الأمن القومي للخطر. ولفتت الجبالي إلى وجود فروق بين المحاكمة الجنائية والسياسية التي تحمّل مبارك مسؤولية كل ما تمّ خلال عهده، موضحةً أن «الحكم ليس نهائيًا ويجوز الطعن عليه وأنّ النيابة العامة أشارت إلى أنها بصدد تقديم طعن على هذه الأحكام».

رأي شارع
وما بين مؤيّد ومعارض انقسم الناس حول الحكم القضائي، ففيما اعتبرها فريق انتصار للحق، صُدم أهالي قتلى «ثورة 25 يناير» في الحكم، بينما شدّد فريق ثالث على ضرورة احترام أحكام القضاء. وقال كريم حسين أحد أشهر أنصار مبارك: «القاضي رد كرامة مبارك واعترف بأنه لم يقتل احدا ولم يسرق ولم يفسد».

في المقابل وبصوت مكتوم وقد بدت عليه الصدمة، قال مصطفى مرسي الذي يقول إنّ ابنه محمد قتل في يناير 2011: «الحكم ظالم دم ابني راح هدرا دون تعويض». وسيطر الإحباط على الصيدلي أحمد مصطفى الذي كان يتسوّق في حي الدقي غرب العاصمة مع أسرته.

وقال مصطفى وهو يشتري خضروات ومعه ابنه زياد 4 سنوات: «مبارك فاسد ولو حكموا عليه بالبراءة 100 مرة، قمنا بالثورة ولن أندم عليها». ويقول الموظف على المعاش مصطفى سعد بثقة وسعادة: «لا أدلّة تدين مبارك، هو رئيس نظيف اليد أجبر علي التنحّي». وبعيد الحكم، أغلقت السلطات المصرية بمدرعات الجيش ميدان التحرير.

مبارك بعد البراءة: لم أرتكب شيئاً على الإطلاق

دافع الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، عن اتهامات له بالتحريض على قتل متظاهرين في أحداث «ثورة 25 يناير»، واتهامات أخرى بالفساد والتربّح، وذلك في أول تصريحات له عقب حكم بتبرئته.
وقال الرئيس المصري الأسبق في الاتصال الهاتفي الذي أجري معه على قناة «صدى البلد» الخاصة، إنّه «لم يرتكب شيئاً على الإطلاق»..

مضيفاً: «رأيت في 25 يناير أحداثاً أستغرب منها، آخر عشر سنوات من حكمي ظهر فيها نتاج العشرون عاماً التي سبقتها من نجاحات، ولكنهم قلبوا انقلبوا علينا».

وردّاً على سؤال حول من الذين انقلبوا عليه، قال مبارك: «لا أتهم الأميركان أو غيرهم بتدبير 25 يناير».

وبشأن أحداث الثورة، قال مبارك: «اللي حصل مقدرش أتكلم فيه في التليفون»، مشيراً إلى أنّه «ضحك عند سماع الحكم الأول الصادر بحقه في 2 يونيو 2012 بالسجن المؤبّد 25 عاماً»، مردفاً: «كنت منتظر الحكم الأخير ولم يكن يفرق معي».

وكانت محكمة جنايات القاهرة قضت في 2 يونيو 2012، بالحكم على مبارك والعادلي بالسجن المؤبد (25 عاماً)، والبراءة على مساعدي العادلي، في الوقت الذي قضت بانقضاء الدعوى الجنائية ضد مبارك ونجليه وصديقه حسين سالم في جنايتي الفساد المالي والتربّح، لمضي المدة القانونية للواقعة «أكثر من عشر سنوات»، وذلك قبل أن يصدر قرار بإعادة محاكمة جميع المتهمين.

وتمت إعادة المحاكمة، بعدما قضت محكمة النقض في 13 يناير 2013، بقبول الطعن المقدّم من مبارك والعادلي، على الأحكام الصادرة بحقهما، كما قبلت النقض المقدم من النيابة العامة.