بكبسة زر صار بإمكان الإنسان المعاصر التواصل مع المجتمع الخارجي من دون أن يخرج من غرفة نومه. هذا ما وفر الكثير من الوسائل لحركات وتنظيمات إرهابية استطاعت اصطياد شباب ناقم على أحواله الاجتماعية والاقتصادية ويريد التغيير.

لم يعد الحديث عن قدرة تنظيم داعش الواسعة على استخدام شبكات التواصل الإلكتروني بشتى ضروبها محل نقاش. في زاوية ما من زوايا الأرض بات يستطيع «الجهادي» التمترس خلف شاشته ومحاورة الجاهزين نفسياً للإسقاط.

ساعدت شبكات التواصل الاجتماعي الجهاديين في نشر دعايتهم إلى «الجهاديين» الشباب في شتى بقاع العالم. الأمر لم يعد بحاجة إلى كثير عناء. مجرد أن تفتح حساباً على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي وتصبح ناشطاً فيها يمكنك أن تلعب بعقول كثيرة.

وبينما كان البعض من «الجهاديين» ينتظرون بفارغ الصبر التسجيلات الصوتية لزعيم القاعدة الظواهري، أصبحوا اليوم أقل شغفاً، وهم يتواصلون ساعة بساعة مع نظرائهم.

وعلى حد قول الخبير في الصراعات الدولية عدنان برية، فإن الأمر بات يثير أسئلة واسعة لدى المراقبين، ليس فقط من حيث وجود أو عدم وجود الدولة بأجهزتها الأمنية عن ملاحقة ومراقبة ومتابعة هذا المشهد، بل في السر الذي يجعل من شاب يحلم ببناء بيت له كما فعل والده من قبل يلتحق بكرة النار التي تحيط بالموقع الجغرافي الذي تسيطر عليه داعش اليوم.

عشرات الفيديوهات يتم اليوم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي و«اليوتيوب»، يستعرض خلالها أردنيون يحملون الأسلحة الرشاشة، ويقفون في انتظار أخذ لقطة لهم وهم على هذه الحالة. هي فيديوهات باتت تثير حنق البعض، وتساؤلات الآخرين.

ضبط الرقابة

لم تعد الدولة المعاصرة قادرة على الضبط والرقابة 100 في المئة لما يجري في مجتمعها، لكن هذا لا يعني أن الأمور تسيل من تحت أقدام أجهزة الدولة من دون أن تدري. ما هو مؤكد أن الجهاز الإعلامي لتنظيم داعش بات قادراً على الفعل بغزو مواقع التواصل الاجتماعي، مثل: الفيسبوك وتويتر وغيرهما. هنا يتم تصوير مقاطع تظهر القوة لدى عناصر التنظيم من خلال أشخاص من أتباع التيار.

لكن ما يدعو إلى الاستغراب - وفق الخبير في الجماعات الإسلامية مروان شحادة - هو تعبيره عن القلق من أن هناك ما يجــــب الخشية منه، ليس في قدرة أجهزة «داعش» على اصطياد الشباب، بل في استــعداد عدد من الشباب لتحويل نفسه إلى فريسة سهلة الانقياد.

5000

ووفق تقديرات المراقبين لحجم وحضور الداعشيين الأردنيين فإنها تتراوح بين خمسة إلى سبعة آلاف مؤيد، غير أن رئيس الوزراء الأردني الأسبق معروف البخيت قدّر الأعداد الحقيقية لمناصري «داعش» في الأردن بما لا يزيد على الأربعة آلاف كما قال، منهم من فرّ بالفعل إلى سوريا ومنهم من لا يزال في المملكة.

لكن ما يدعو إلى القلق هو كما يقول خبير الجماعات الإسلامية مروان شحادة أن ظاهرة الداعشيين ومؤيديهم في تنام وازدياد. ولا يجد شحادة من حل لمواجهة الأفكار المتشددة وأعمال القتل التي تمارسها «داعش» في العراق وسوريا، إلا بالتعامل مع منظومة متكاملة لا تبدأ بالنواحي الاجتماعية والثقافية فقط، كما لا تنتهي بالنواحي الاقتصادية والمعيشية من حيث تحسين ظروف المعيشة لشباب بات لقمة سائغة لكل صائد.

معالجة البيئة

ورغم أن الأجهزة الأمنية الأردنية تمارس المقاربات الأمنية الناعمة، مع أصحاب فكر «داعش»، سواء بالاعتقال والسجن أو المحاكمات، إلا أنه يؤكد أن هذه المعالجات لا تكاد تكفي لأنّها تصلح لإغلاق ملف شخص أو مجموعة من الأشخاص، لكن الحديث هنا عن بيئة يجب أن تجري معالجتها من أجل ضمان عدم توليدها للفكر نفسه.

وعلى حد قول مروان شحادة، خبير الجماعات الإســـلامية، فإنّ مواقع التواصل الاجتماعي تزدحم بتداول فيديوهات، تأتي على مدار الساعة من سوريا والعـــراق، وتحــرص «داعش» على نشرها بهدف استقطاب مريدين جدد.

الحرب الإلكترونية

اليوم تجرى العديد من الحروب على الإرهاب، من بينها الحروب الجوية، إضافة إلى الحروب البرية، والنفسية، والثقافية، لكن حرباً ما زالت تسجل إخفاقات متتالية هي الحرب على الإرهاب إلكترونياً.

إن الفــــضاء اليوم بات أوســع من أن يجــري إغلاقه على مشـــهد واحـــد، ومن هنا فإن الاستماع إلى توصيات الخبراء بضــــرورة الاستجابة إلى مطالب الشباب بتوفير حياة كـــريمة لهـــم هو الأسلوب الأنجع لتجفيف المنابع الإلكتـــرونية لحرب يبدو أنها ستطول.

شاهد الجرافيك