خلق إعلان الإخوان المسلمين رفضهم مشاركة الأردن في الحلف الإقليمي الدولي ضد قوى الإرهاب التي تشكل تهديداً صريحاً لأمنه، نقاشاً معمّقاً في الأردن حول أبعاد هذا الرفض، حيث دعا عدد من المختصين «الإخوان» إلى توضيح منطلقات موقفهم ورؤيتهم لكيفية حماية الأردن وأمنه ومصالحه من خطر إرهابي يهدد البلد، وحاول ضرب استقراره سابقاً، ويعمل على التسلل إليه فكرياً وأمنياً ليشوه ثقافة شبابه ويعتدي على أمنه. لكن ما لا تدركه الجماعة أن انعزالها هذا سيحولها - مرة أخرى - إلى أحد الخاسرين الكبار في المعركة الدائرة اليوم.

فلماذا لم يردّ «الإخوان» على التهديدات العلنية التي أطلقها إرهابيو داعش ضد الأردن؟ فالداعشيون يتحدثون زوراً باسم الدين ويدّعون مرجعية دينية لِما يفعلون. علماً أن الإخوان هم الحزب الإسلامي الأكبر في المملكة. لكنهم لم يتحدثوا عن تهديدات المملكة.

وتدرك قيادات جماعة الإخوان المسلمين في الأردن خاصة وفي العالم عامة أن معركة بدأت في سوريا والعراق لا بد وأنها مجبرة على تحمل نتائجها المستقبلية سواء أكانت طرفاً فيها، أم حاولت النأي عنها. أما طرفا المعركة فهما التحالف الدولي من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى.

وربما تشعر الولايات المتحدة أن القضاء على قوة داعش سهلة، ولهذا فإنها والحلفاء مؤمنين انه من الحماقة الإسراع في القضاء عليها بالضربة القاضية، خاصة وان هناك مزيداً من الوقت في طريق هذه الحرب التي يراد لها أن تكون طويلة من أجل حصد مزيد من النتائج فيها.

تصريحات ملتبسة

من هنا يمكن فهم التصريحات الملتبسة حيناً والمرتبكة والمتناقضة أحياناً كثيرة لقادة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن حيال رأيها في تنظيم داعش، التي مرة تجدهم يبررون لها ما هي عليه، وأخرى يشعرون بالضيق منها.

الجماعة تعلم أنها وإن كانت في شقاق ونزاع مع منهج التيار السلفي الجهادي في إقامة الدولة الإسلامية، لكنها فشلت في كل المحطات في العمل على استمالة التيار، باستثناء تقاطعات قصيرة المدى.

لقد أجبر التحالف الدولي جماعة الإخوان على حرب ممنوع عليها المشاركة فيها مع أي طرف من الأطراف، لكن في المقابل عليها تحمل نتائج «الهزيمة المتوقعة».

ولا يعني إدراك «الإخوانيون» لكل ذلك أن بيدهم أن يفعلوا شيئاً سوى الصلاة في انتظار مفاجأة ما، لم تأت حتى الآن ولا يبدو أنها تأتي.

مصالحة النظام

لليوم، كل ما يمكن أن يفعله الإسلاميون وفي سياق الانتظار تقديم كل ما يلزم لمصالحة النظام السياسي الأردني الذي لم يشعر يوماً بالقوة الداخلية كما يشعر بها الآن. هذا تماماً ما يمكن فهمه عند السؤال عن سر الصمت الغريب من قبل قيادات جماعة الإخوان المسلمين على اعتقال صاحبهم د. محمد سعيد بكر (أبو جعفر) عضو مجلس شورى الجماعة.

 ولو كان الظرف غير الظرف لرأى الشارع ومعه النظام صراخاً متواصلاً للجماعة رفضاً لاعتقال أبو جعفر، لكن الجماعة اليوم ترى ضرورة التضحية بالواحد لمصلحة الجماعة.

ربما يقال إن الإخوان طالبوا بالإفراج عن عالمهم المعتقل، لكن إن أردت عقد مقارنة بسيطة بين الأمس القريب واليوم، فليس صعباً اكتشاف أن قرارات غير معلنة اتخذتها الجماعة في سياق رغبتها للتهدئة مع النظام. وواحدة منها قضية أبو جعفر.

الانحناء

ويرى الإخوانيون كل ذلك، وهم بالتأكيد ليسوا راضين عن ذلك، إلا أن برنامجهم السياسي، وأدواته على الأرض، والزلازل بارتداداتها التي تعرضوا لها في مصر وسوريا، واليوم في اليمن تجبرها على الانحناء، في موقف دون الموقفين: الانعزال والخروج.

لكن ما لا تدركه الجماعة أن انعزالها هذا سيحوّلها، مرة أخرى، إلى أحد الخاسرين الكبار في المعركة الدائرة اليوم، من دون انتظار هوية الخاسر، وهو ما تؤكده المعطيات على الأرض حتى الآن.

اتهم رئيس الوزراء الأردني الأسبق معروف البخيت صراحة جماعة الإخوان المسلمين بأنهم الفكر المتشدد الذي يحمله الداعشيون. وأوضح البخيت الذي يعتبر أحد الشخصيات المحافظة في الدولة الأردنية «الإخوان المسلمون من نفس فكرة داعش، حيث إنني أعرف معظم قياداتهم التي منها المتشدد ومنها الأقل ومنها الذي يختط الإسلام الوسطي... أعرف أن منهم أشخاصاً من الذكاء إن وصلوا للسلطة لن يخرجوا منها».