لم يدر بخلد زعماء دولة جنوب السودان المتنازعين على السلطة والثروة معاً، قبيل انفصال دولتهم عن الأم «السودان» أنّ تحقيق حلم الانشطار عن الشمال سيحمل في ثناياه ويلات حرب جديدة ليست أقل مأساوية من صراع العقود الطوال مع الشطر الآخر.

تحوّلت الأحلام إلى كوابيس والأماني إلى آلام ومآس عاشها وما يزال شعب جنوب السودان منذ تفجّر الصراع بين قادته بما قذف الدولة الوليدة إلى مهب الريح، لم يستطع قادتها التوافق على ما يجمع بل على ما يفرّق فلم يجدوا أكثر من القبلية ملاذاً لحقيق مآرب أشخاص لا همّ لهم سوى الكراسي.

لم يستطع سلفاكير وحكومته طوال عامين وأكثر قضاهما على رأس السلطة تغيير واقع الحال ونقل البلاد إلى طريق التنمية على الرغم من ما تذخر به من موارد هائلة، إذ لم يستطع توفير فرص العمل ولا الرعاية الصحية فلا مدارس ولا مساكن أو طرق، عامان مرّا ولا يزال أكثر من 50 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر ومعدّلات الأمية في ارتفاع.

ولعل كل هذه الأوضاع المأساوية تميط اللثام عن فساد مستشرٍ وسط النخبة الحاكمة كأكبر مؤرّقات البلاد، أمرٌ لم يستطع الرئيس سلفاكير مداراته فاضطر إلى الاعتراف بأنّ مليارات الجنيهات السودانية تعرّضت للاختلاس.

وأنّه دعا ‬75 مسؤولاً لم يسمهم، إلى أن يعيدوا ما اختلسوه، هي دعوات اذن من قبل من يملك السلطة على الملاحقة والاعتقال واستعادة ما ابتلع غول الفساد، فيما المفارقة العجيبة أنّ هيئة مكافحة الفساد تعاني قلة الموارد المحلية إلى درجة عدم قدرتها على دفع إيجار مكاتبها.

على خطى الخرطوم

على خطى الخرطوم سارت الأجهزة الأمنية في دولة جنوب السودان على ما يتهمها منتقدوها باتخاذها اتجاهاً سلطوياً رقابياً على وسائل الإعلام المستقلة والمنظمات غير الحكومية وجماعات الضغط في المجتمع المدني، والتي تمثّل المعارضة الحقيقية الوحيدة في ظل غياب أحزاب سياسية فعّالة.

اجتمعت ثنائية الحرب والفقر ليشكلا معاً رسماً قاتماً لمستقبل البلاد، صراعٌ دامٍ تدور رحاه في أكثر من ولاية ينزح على إثره الآلاف إلى الجوار المعدم أيضاً، فيما تزداد المحنة الاقتصادية سوءاً تجلّى في تدابير التقشّف الصارم والاعتماد الكلّي على ما يجود به الخارج من مساعدات وقروض.

موارد بلا مستفيد

ولعل ما يزيد من حجم المحنة الاقتصادية في الدولة الوليدة عدم مقدرتها على الاستفادة من مواردها لاسيّما البترول، ففضلاً عن الصراع الدامي بين قادتها، تقف العلاقة مع الشمال عقبة أخرى إذ كثيراً ما تستخدم حكومة البشير في الخرطوم هذه الورقة كرت ضغط مستغلّة عدم وجود منفذ بحري للجنوب لتصدير نفطه،.

ولعلمها يقيناً أنّ مصير اقتصاده في يدها، فتعمل على الاستفادة من هذا الوضع قدر ما تستطيع، وأولها إجبار الجنوب على قطع دعمه على حد قولها للمتمردين في الولايات الحدودية جنوب كردفان والنيل الأزرق. وبما أنّ النفط يشكل ‬95 في المئة على الأقل من عائدات حكومة جنوب السودان، يرى مراقبون أنّ إغلاق الخرطوم أنابيب النفط ربما يعجّل بانهيار الدولة المنهارة أصلاً.

تأجيج توتّرات

حذّرت دولة جنوب السودان مجلس الأمن الدولي من فرض عقوبات على قادتها، معتبرة أن مثل تلك الإجراءات لن تجلب حلاً دائماً وستؤجج التوترات في بلاد تمزقها الصراعات. وقال فرانسيس مادينغ دينغ سفير جنوب السودان لدى الأمم المتحدة، إنها حقيقة معروفة أن العقوبات نادراً ما تحقق هدفها المنشود، وبدلاً من ذلك، فإنها تؤدي إلى التشدد في المواقف نحو المواجهة بدلاً من التعاون.