تشعر المعارضة السورية بتراجع نفوذها السياسي والدبلوماسي والعسكري على المشهد السوري، ما قد يقلص من حظوظها في مجاراة النظام، استناداً إلى ما جاء به المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في مبادرته الهادفة بالدرجة الأولى إلى وقف إطلاق النار على مستوى المناطق المحلية المتوترة.
ومن خلال رصد ردود فعل المعارضة لا تبدو هذه المقاربة تحاكي طموحات المعارضة بحدها الأدنى، حيث وصفت بأنها عملية انقلابية ضد مبادرة «جنيف 2» المتمحورة حول مخارج نقل صلاحيات السلطة، وتشكيل كيان سياسي كشروط جوهرية تمهد المناخ نحو أي حوار منشود.
مسار الحل
عوامل كثيرة تقف وراء هذا التهميش والانكفاء بنظر المعارضة، لكن تبقى صيغة دي ميستورا المطروحة بحد ذاتها عاملاً بارزاً في هذا المضمار، ذلك أنها قفزت من فوق التوافقات الدولية التي جرت في مؤتمري جنيف..
وكانت تفترض أن تشمل إحداث تغيرات مرحلية في جذر السلطة والنظام السياسي والعسكري والأمني إلى تموقع على الانشغال والتركيز في المعضلات المتعلقة بوقف إطلاق النار والشروع في بدء عملية الانتخابات المحلية، ومن ثم ينتقل مسار الحل السياسي بصورة تصاعدية نحو القضايا السياسية الكبرى، وهذا الطرح الذي يبدأ من الأسفل نحو الأعلى من وجهة نظر المعارضة كمن يضع العربة أمام الحصان.
النفوذ الروسي
لكن ليست صيغة المبادرة وحدها هي ما يعرقل موقف المعارضة ويهمش دورها فحسب، فثمة تصاعد النفوذ الروسي على حساب التراجع الأميركي - الغربي في هذا الشأن، وكأن دي ميستورا وموسكو وحدهما ينفردان بقيادة هذه العملية الدبلوماسية، وهذا بطبيعة الحال، لا يخدم تصور المعارضة السورية.
وخاصة الائتلاف الوطني الذي يتكئ بظهره على الدعم والمساندة الغربية، ويجد في التفرد الروسي خسارة مسبقة ستصب لصالح النظام، كما لا يتردد قيادات الائتلاف باتهام موسكو بمزاولة «الانتقائية» مع جسم المعارضة السورية، بحيث تتعاطى مع الأكثر قدرة وانسجاماً مع أطروحاتها.
وترى أصوات من داخل المعارضة مسببات تنامي نفوذ دبلوماسية الروس وهيمنتهم على الحلول الدولية المقدمة الآن، منها تقليل فاعلية الجيش الحر، لا سيما مع ضبابية رؤية الغرب في تسليح الجيش الحر، والتغاضي عن ترتيب تموضعه تماشياً مع تمكين قدراته الدفاعية.
حيث من المتوقع أن تترتب نتائج سلبية على الجيش الحر في حال تنفيذ وقف إطلاق النار مع مواصلة طيران التحالف الدولي ضرب مواقع «داعش» و«جبهة النصرة» دون تعزيز دفاعات مقاتلي المعارضة، حيث سيجد هذا الأخير ذاته وفق هذا السيناريو في مرمى مخالب كلا التنظيمين المتشددين اللذين يسعيان للبقاء والتمدد نحو المناطق الداخلية بأي ثمن كان، وقد يخطف النظام وسط هذه الفوضى المتوقعة زمام المبادرة لصالحه مجدداً.
مراوغة
يرى معارضون سوريون أن مبادرة دي ميستورا تقدم للنظام مساحات جديدة من المراوغة والمماطلة المعهودة، وتحوير وجهة التوافق المحلي لصالحه كما جرى في سياق هدنة مدينة حمص، حيث لايزال طعم هذه الهزيمة ينعش ذاكرة المعارضة، وعلى هذا النحو، تبدو المبادرة في تفاصليها بمثابة حبل النجاة لإنقاذ نظام الأسد.