لايزال زلزال انهيار الروبل الروسي العام 1994 في ذاكرة الكثيرين. فقدت العملة الروسية في مثل هذه الأيام تقريباً قبل 20 عاماً خلال «الثلاثاء الأسود» جزءاً كبيراً من قيمتها. حينها، هبطت من 845 مقابل الدولار إلى 3926. لم يكن السبب آنذاك مرتبطاً بأي عقوبات غربية ولا هزة مالية عالمية، بل سوء تخطيط وتخبط واضحين من الإدارة الروسية.

واليوم، بدأ الذعر يدب لدى الكثير من المواطنين الروس وأوساط المال والأعمال على وقع انخفاض سعر صرف الروبل مجدداً إلى نحو النصف من 25 مقابل الدولار، قبل العقوبات الغربية والتورط في أوكرانيا وسقوط أسعار النفط، إلى 47 حالياً، خلال مدة لا تتجاوز تسعة شهور.

يتداعى الاقتصاد الروسي شيئاً فشيئاً بانسيابية نهر الفولغا، من دون أن يلاحظ الأمر إلا صفوة قليلة من أصحاب القرار في موسكو الذين لم يسعدهم القرار المتأخر بتعويم الروبل، والذي لم يأت بفائدة تذكر. فالعاملون في بعض المؤسسات الحكومية يشكون تأخر دفع رواتبهم، عدا عن تسريح الموظفين الذي يتم بهدوء يكاد لا يلحظه أحد بسبب ضغط النفقات.

كما تتزايد أسعار السلع الغذائية بشكل متسارع، وهناك أجواء هستيريا لشراء المواد الأساسية تعيد إلى الأذهان طوابير المستهلكين أمام المحال التجارية ومحطات الوقود أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات. يخشى الروس تكرار ما حصل في الماضي حينما تبخرت مدخراتهم، ويسارعون اليوم إلى تفريغ حساباتهم المصرفية في ضوء تقارير عن اتجاه لفرض المزيد من الضرائب بسبب عدم توافر سيولة نقدية في الأسواق..

والذي بدوره مرده إلى تردد المستثمرين في تنفيذ مشاريع جديدة من جراء الغموض السياسي والعزلة التي يواجهها الكرملين على خلفية حربه على أوكرانيا.

ولعل رقم 129 مليار دولار الذي أعلنه المصرف المركزي الروسي، ويمثل حجم الأموال التي سحبها المستثمرون، يدل على فداحة الكارثة المالية التي تلوح في الأفق، والمتوازية مع تقلص الاحتياطي النقدي منذ بداية 2014 من 510 إلى 400 مليار دولار.

الحكومة تحضّر

وفيما بدأت الحكومة الروسية، على استحياء، في تهيئة الرأي العام إلى القادم السيئ عبر الحديث عن ضرورة توقع تراجع مستوى الدخل وتزايد نسبة البطالة والتضخم وانكماش النمو في 2015 إلى صفر (أي توقفه تماماً)، إلا أنها في نفس الوقت تبدو عاجزة عن إيجاد الحلول للمعضلة الاقتصادية التي سببتها خياراتها السياسية المتهورة.

ويبقى في نهاية المطاف، أن يطغى صوت الحسابات المالية الموزونة على المشاعر السياسية الزائفة التي ما فتئ الكرملين يضخها في قلوب وعقول الروس في محاولة لخلق أعداء خارجيين يعزو إليهم سبب تدهور مكانة بلادهم الاقتصادية والسياسية، والتي باتت تعتمد في حيزٍ كبير منها على رصيد عسكري يستند إلى التحرش بدول الجوار وإثارة الفوضى في شرق أوروبا والقوقاز واختراق الأجواء الأوروبية، وهو مؤشر آخر على تدهورٍ سيقود يوماً ما إلى نهاية غير حميدة بكل تأكيد.

 تعزيز عسكري

جدد حلف شمال الأطلسي، الثلاثاء الماضي، التنديد بـ«تعزيز عسكري خطير» في شرق أوكرانيا وفي الجانب الروسي من الحدود. وقال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ: إن «لدى روسيا الخيار، إما أن تشارك في حل سلمي عبر التفاوض، وإما تواصل السير على الطريق التي تقود إلى عزلتها».

وأضاف ستولتنبرغ: «نرى تحركاً للقوات والمعدات والدبابات والمدفعية، وكذلك أنظمة حديثة مضادة للطيران». وأردف: «هذا تعزيز عسكري خطير جداً. في الوقت نفسه في أوكرانيا وفي الجانب الروسي من الحدود، ولقد رصده الحلف الأطلسي وكذلك مصادر محلية مثل صحافيين مستقلين ومراقبين دوليين لمنظمة الأمن والتعاون الاقتصادي». واعتبر ذلك «انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار ونحن ندعو روسيا إلى سحب قواتها من شرق أوكرانيا واحترا.

م اتفاق مينسك». أ.ف.ب