تحتفل سلطنة عمان اليوم بعيدها الوطني الـ 44 وهي تواصل مسيرة نهضتها الحديثة المرتكزة إلى التنمية والازدهار والرفاهية، معززة بتلاحم وطني بين السلطان قابوس بن سعيد وأبنائه على امتداد الوطن.

ويعتبر العمانيون هذا اليوم، يوم النهضة، ركيزة أساسية ومنعطفاً تاريخياً للانطلاق نحو بناء الدولة العصرية وبناء حياة أفضل تتحقق فيها آمالهم وطموحاتهم تحت قيادة السلطان قابوس بن سعيد الذي تولى مقاليد الحكم في بلاده قبل 44 عاماً آخذاً بيدها إلى آفاق العزة والمجد وإلى طريق التقدم الذي قاده جلالة السلطان قابوس بن سعيد عبر مسيرة النهضة التي انطلقت في العام 1970.

كما كانت السياسة القائمة على العدل والفرص المتكافئة بين المواطنين في العمل والخدمات الأثر البارز في توطيد دعائم الأمن والاستقرار والانصهار في بوتقة العمل الوطني وتلاحم أفراد البيت العماني، كما كانت عمان من شمالها إلى جنوبها داخل خارطة التنمية الشاملة وخطط البنية الأساسية.

وظلت الجولات السلطانية تجوب عمان وتحط رحالها في جميع ربوع الوطن قاهرة التضاريس الوعرة ولذلك عمت التنمية والتطوير والبنية الأساسية والخدمات الضرورية ربوع الوطن بلا استثناء.

وجاء إنشاء المجالس البلدية لتحقيق المزيد من المشاركة المجتمعية في التخطيط والتنفيذ لبرامج وخطط التنمية والتوجه نحو الإدارة كما شهد جهاز الرقابة الإدارية والمالية للدولة تطوير وتحديث في مسؤولياته وهيكليته حيث أضيف إلى مسؤولياته ومهامه الرقابة الإدارية إلى جانب الرقابة المالية.

وبينما تسعى الحكومة إلى بذل كل جهد ممكن من أجل تحقيق أهداف التنمية الوطنية اقتصادياً واجتماعياً وبشرياً خاصة على صعيد إشراك المواطنين في صياغة وتوجيه التنمية في مختلف المجالات واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب من مخرجات التعليم بمراحله المختلفة فإن توجيهات السلطان قابوس تؤكد دوماً ضرورة أن تسير عمليات التنمية والبناء عبر توازن يحافظ على الجيد من الموروثات ومقتضيات الحاضر التي تتطلب المواءمة مع روح العصر والتجاوب مع حضارته وعلومه ومقتنياته والاستفادة من مستحدثاته في شتى ميادين الحياة، معتبرة الإنسان هدف البناء التنموي وغايته.

وتحتفل سلطنة عمان بالعيد الوطني في ظل نهضة شاملة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد، مسجلة عبر مسيرتها إنجازات عدة على غير صعيد جعلتها أكثر ازدهاراً وأمناً واستقراراً.. إذ استطاع السلطان قابوس منذ توليه مقاليد الحكم في السلطنة في العام 1970 الوصول بالمسيرة العمانية إلى مصاف الدول المتقدمة في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية.

وتمكنت سلطنة عمان من تشييد تجربة تنموية متميزة ذات رؤية ونهج قويين يحتذى ويفخر بهما هذا الجيل والأجيال المقبلة، ومن تحقيق تطور ضخم على المستويات الاقتصادية والســياسية والاجتماعية والثقافية.

ويعد هذا اليوم نقطة تحول في تاريخ عمان الحديث ويشكل كذلك فرصة ليس فقط لتجديد العهد والولاء لباني نهضة عمان المعاصرة ولكن أيضاً فرصة للنظر فيما تحقق ويتحقق من منجزات تمتد إلى كل شبر من أرض عمان وتتسع لتستوعب آمال وتطلعات المواطن العماني في حياة كـريمة ومستقبل مشرق.

فاليوم يقف المواطن العماني سعيداً بما حققه على امتداد العقود الأربعــــة الماضية ومفعماً بالأمل والثقة في تحقيق كل ما يصبو إليه، مع فتح السلطان قابوس طاقة جديدة في سياسة التمكين، إذ منح مجلس عمان صلاحيات كبيرة، مدعــومة بثقة وأمل في تحقيق إنجازات.

وكان المواطن العماني ركيزة أساسية من ركائز التنمية الوطنية، وهو ما عبر عنه جلالة السلطان قابوس بالقول: «أكدنا دائما اهتمامنا المستمر بتنمية الموارد البشرية وذكرنا أنها تحظى بالأولوية القصوى في خططنا وبرامجنا»، مشدداً على أن الإنسان «هو حجر الزاوية في كل بناء تنموي.. إذ إن غايتها جميعاً هي إسعاد وتوفير أسباب العيش الكريم له وضمان أمنه وسلامته».

ومكّن البعد الإنساني في علاقة السلطان قابوس مع أبناء شعبه من تحقيق وترسيخ الوحدة الوطنية والتماسك، فهذه العلاقة بجوانبها الإنسانية وبخيوطها القوية والتي تتميز بالتواصل والامتزاج العميق. ولعل أبرز مظاهر هذا التفاعل هو الجولات السلطانية السنوية التي تعد واحدة من أكثر الصور ذات الخصوصية العُمانية.

وتكتسب الجولات السنوية أهميتها البالغة ليس فقط من استمراريتها وانتظامها، ولكن أيضاً من محتواها ودلالاتها من ناحية، وجوانبها وأبـعادها التـنموية والاقتصادية والاجتماعية.

ويشير تقرير رسمي بهذه المناسبة إلى مجال تطوير التعليم الذي يشهد عمليات التطوير المتواصلة بكل مراحله وبكل عناصر العملية التعليمية بما في ذلك إرسال البعثات لدراسة أرفع التخصصات العلمية مع الاهتمام باحتياجات التنمية في مرحلتها الراهنة والمستقبلية وتوفير متطلباتها من الكوادر العمانية المؤهلة على أرفع المستويات.

أداء موضع إشادة

وقطعت سلطنة عمان شوطاً مهماً على صعيد التنمية المستدامة، وهي ماضية إلى ترسيخ مبدأ الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص وجمعيات المجتمع المدني في إطار المشاركة البناءة لكل أبناء المجتمع، وهذا بدوره يعطي مزيداً من الجهد المشترك الذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة الوطن.

انطلاقة جديدة

وشهد العام 2011 انطـلاقة جديدة تمثّلت في تعديلات كبرى تجلّت في تطوير الشورى العمانية هدفه دعم وتطوير مسيرة الشورى وتأكيد أهمية المشاركة من جميع أفراد المجتمع في مسيرة التنمية الشاملة بما يتماشى ومتطلبات التطور المنشود.

وفي هذا الإطار أشار السلطان قابوس في كلمته في افتتاح الفترة الخامسة لمجلس عمان إلى تطلعه إلى «نقلة نوعية للعمل الوطني الذي سيقوم به مجلس عمان في المرحلة المقبلة في ضوء ما أتيح له من صلاحيات موسعة في المجالين التشريعي والرقابي».

كما يتحدث التقرير عن توفير كل سبل المشاركة أمام المواطن العماني ليكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً في عملية صنع القرار في مختلف المستويات، حيث جرت انتخابات المجالس البلدية للفترة الأولى في محافظات السلطنة نهاية العام الماضي، والتي تنافس فيها 1475 مرشحاً، بينهم 46 امرأة لاختيار 192عضواً في المجالس البلدية، مشكلة خطوة أخرى ذات دلالة على صعيد دعم الممارسة الديمقراطية وتوسيع نطاق مشاركة المواطنين في خدمة مجتمعاتهم المحلية.

من ناحية، وتعزيز نهج الشورى العمانية خاصة بعد منح مجلس عمان مزيداً من الصلاحيات التشريعية والرقابية وبعد تعديل النظام الأساسي للدولة لتحقيق ذلك.

بحث عن بدائل

وعلى الصعيد الاقتصادي فإنه رغم تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية التي طالت مختلف دول العالم بشكل أو بآخر فإن الأداء الاقتصادي للسلطنة كان موضع إشادة وتقدير من جانب العديد من المؤسسات المالية ومؤسسات التقييم الدولية للسياسات المالية والاقتصادية للسلطنة ولما يقوم به البنك المركزي العماني من دور حيوي في ضبط الأداء الاقتصادي.

سياسة هدفها الاستقرار

وعلى الصعيد الســياسي، وفي ما يتصل بعلاقات السلطــنة بالأشقاء والأصدقاء فإنه في الوقت الذي يحظى فيه التعاون والتكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية باهتمام عماني خاص على امتداد العقود الماضية فإن السلطنة تحرص دوماً على بناء جسور المودة والتواصل مع كل الأشقاء والأصدقاء في المنــطقة والعالم تحقيقاً للمصالح المشـتركة والمتبادلة وإسهاماً في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

وفي هــذا الإطار قال جلالة السلطان قابوس: «إننا نعيش في عالم متداخل المصالح والسياسات وإن تعاوننا مع هذا العالم إنما يأتي انطلاقاً من المصالح العليا للسلطنة وإسـهاماً في استتباب الأمن والرخاء».

واتسمت هذه السياسة منذ البداية بالوضوح والصراحة والعمل الجاد والمخلص من أجل تطوير العلاقات العمانية مع كل الدول الشقيقة والصديقة من أجل تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة وتعزيز فرص السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم من حولها.

إنجازات محل إشادة

وثمنت قيادات عمانية مسيرة عمان الحديثة التي وضعت من قبل سياسة حكيمة قائمة على المزاوجة بين معطيات العصر وضرورات الحاضر في إطار من المحافظة على الموروث والقيم العربية والإسلامية.

مؤكدة على أبرز إنجازات الدولة العصرية في عُمان التي جاءت في إرساء سياسة خارجية متزنة تجعل من تحقيق السلام أولى أولوياتها وفي إرساء التفكير الكلي الوطني رغم الامتداد الجغرافي والقبلي للسلطنة ليأتي وجود مؤسسات عصرية كنظام للقضاء ونظام للشورى وجهاز للرقابة المالية للدولة.

واستطاعت عُمان الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع دول العالم اعتماداً على هذين المبدئين، ولم تكن الطريق معبدة بالزهور، إلا أن عمان جعلت السلام أولوية أولى.

ويؤكد الباحث في الشؤون القانونية أحمد بن علي المخيني على أبرز إنجازات السلطنة الخارجية والمتمثلة في الحفاظ على علاقات سياسية متوازنة وإيجابية مع العالم فيقول إنّ تاريخ عمان على مدى 6000 سنة شاهد على دبلوماسيتها وارتباط هذه الدبلوماسية بالتجارة والتعاون الخارجي مع الحضارات والثقافات التي هيمنت على المشهد العالمي خلال هذه الحقب التاريخية.

ولم يكن هذا قاصرا على حقبة دون أخرى أو حضارة دون غيرها، بل كان الاحترام المتبادل السمة العامة للدولة العمانية والعمانيين على مر العصور ومن هنا أدركت قيادة عمان منذ البداية أن استدامة تنميته مرتبطة باستقرارها وأمنها، وأن بقاءها رهن بحيادها، ولذا اعتمدت السياسة الخارجية على مبدئين أساسيين هما: الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الغير.

ورافق هذين المبدئين تكتيكان: الحوار المباشر، والترفع عن المناوشة. ويشارك المخيني في ذلك الباحث السياسي خميس القطيطي الذي يقول إن النهج الحكيم الذي تتبناه السياسية العمانية القائم على عدم التدخل في شؤون الآخرين والممارسة الهادئة في عالم يكثر به الضجيج وحمى المصالح أكسب السلطنة درجة عالية من الثقة والتوازن في علاقاتها الخارجية.

ويؤكد الكاتب السياسي علي بن مسعود المعشني أنّ «عمان المعاصرة اليوم لم تشذ عن قواعد عمان الأمس في حراكها الداخلي أو الخارجي.. بل اختلفت أدوات العصر ومتطلبات المرحلة فقط».

ويؤكد عضو مجلس الشورى العماني مالك بن هلال العبري إنّ السلطنة خلال الـ 43 الماضية «حقّقت الكثير من الإنجازات النوعية والعددية وفي جميع القطاعات وعمت جميع هذا الوطن الغالي وفي هذا العهد الزاهر».

%33

اهتمت الحكومة بتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والسعي المتزايد لتشغيل القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاص وتوفير سبل استقرارها في بيئة عمل مناسبة، والعمل على تقليص أعداد القوى العاملة الوافدة التي اقتربت من أعداد السكان المحليين كثيراً بحيث لا تزيد على 33 في المئة.

كما امتدت رعاية أسر الضمان الاجتماعي، وهي رعاية متكاملة إلى وضع حد أدنى للأجور في القطاع الخاص بالنسبة للعاملين العمانيين.

رقابة

أعطى ميلاد جهاز الرقابة المالية والإدارية في صيغته الجديدة بعد أحداث 2011 دفعة قوية لمحاربة الفساد مستمدة شرعيتها من الشارع العماني الذي يتابع عن كثب أية قضايا أو ممارسات أو معاملات يشوبها الفساد.

وفي حين أن الجهاز بشقه المالي كان موجوداً منذ عقود، إلا أن ميلاده الجديد وارتباطه الشعبي والمؤسسي بالوطن عبر تقديم نسخة من تقريره السنوي إلى مجلس الشورى، جاء استجابة لحاجة مؤسسية ومطالبات شعبية ومتطلبات تطور دولة المؤسسات ونضجها المأمول، والنتيجة كانت إيجابية للصالح العام والمصلحة الوطنية العليا، وأصبح رادعاً أمام من تسول له نفسه اعتناق هكذا ممارسات.