لم تترك الإدارة مناسبة تمرّ من دون أن تؤكد أن أولويتها الراهنة العراق و«داعش» وأن ملاحقة هذا الأخير في سوريا تحكمها متطلبات مواجهته في أرض الرافدين، حسب الجنرال لوويد أوستن قائد المنطقة الوسطى التي تشرف على حرب «داعش»، في محاضرة له مؤخراً في واشنطن.
أولوية عاد وكررها الرئيس باراك أوباما الأحد الماضي، مع ما يفيد بأن مصير النظام السوري مسألة مؤجلة. «يقتضي رحيله .. لكن بحل سياسي»، كما قال. ذات الكلام كان قد ردّده المبعوث الخاص الجنرال جون ألن، الذي شدّد على أن تسليح وتدريب المعارضة السورية سيجري «لغرض مقاتلة داعش وليس لإعداد قوة تحرّر دمشق».
إذاً الأزمة السورية ثانوية في حسابات الإدارة. حتى عندما طفت على السطح مبادرة المبعوث الدولي ستيفانو دي ميستورا، تعاملت معها واشنطن ببرودة. من الواضح بأن أياً من الطرفين في سوريا لا يبدو جاهزاً للذهاب إلى طاولة المفاوضات»، على ما قالت الخارجية الأميركية.
بوادر تغيير
ووفق خطاب الإدارة هذا، الأزمة السورية ثانوية حالياً وحلها السياسي لم يحن أوانه. لكن فجأة خلال الأيام الأخيرة توالت التلميحات التي تشي ببوادر تغيير في هذا الموقف. أو بأنه مرشح لإعادة النظر. كما بدا أن الإدارة حرصت على إحاطة مثل هذا الانطباع بالالتباس.
أحد مسؤوليها تعمّد تسريب معلومة مفادها أن الرئيس طلب من الجهات المعنية مراجعة استراتيجيته في الشق السوري لأن الغاية المنشودة أي القضاء على داعش يبدو أنه يتعذر تحقيقها ما لم يتم تغيير انتقالي يزيح الأسد من الطريق. أثار التصريح الكثير من الدهشة.
خاصة وأن محاولات الاستدراك التي صدرت عن البيت الأبيض والخارجية لم تقو على إزالة الارتياب. في ردودها نفت الإدارة وجود نية لتغيير سياستها تجاه سوريا، لكنها في ذات الوقت أكدت بأن وجود الأسد يشكل عثرة في طريق الخلاص من «داعش».
تعزيز النشاط
اليوم تكشفت معلومات جديدة تعزّز الاعتقاد بوجود توجّه لإحداث تغيير في هذا الخصوص. خلاصتها الإدارة تزمع «تعزيز المهمة السرية التي تقوم بها وكالة الاستخبارات المركزية سي أي أيه» في الأزمة السورية . تطور يستبطن التصعيد ضد النظام. فالمعروف أن هذه الجهة تقوم بتدريب عناصر سورية منذ فترة. لكن كانت المآخذ عليها أنها بطيئة وضعيفة المردود.
بل بدت انها صورية. وفي وقت ما تردد في واشنطن، أنه من المحتمل وربما من المرجح أن تنتقل مهمة التدريب هذه من الوكالة إلى البنتاغون. أو على الأقل ترجيح كفة البنتاغون. وعندما جاءت الإدارة بمشروع الـ500 مليون دولار لتدريب وتسليح المعارضة السورية حملت على الاعتقاد بأن دور الوكالة سيتقلص أكثر.
العودة إلى تعزيز هذا الدور، معطوفة على التلويح بتغيير السياسة تجاه سوريا؛ أثارت التساؤل. ما يلفت أن هذه الإشارات الصادرة عن الإدارة، جاءت مباشرة بعد التعثر في مباحثات مسقط بشأن النووي الإيراني والذي هبط معه منسوب التفاؤل بإمكانية تحقيق تسوية قبل 24 الجاري.
ما يطرح السؤال حول ما إذا كانت هناك علاقة بين الاثنين، بمعنى أن تكون واشنطن أرادت بهذه التلميحات ممارسة الضغط على طهران لحملها على تليين موقفها لتحاشي الفشل الذي قد تكون كلفته الإطاحة بالنظام السوري، حليفها الحريصة على استمراره في دمشق. ثمة من طرح سيناريو إسقاط هذا النظام كرد على تفشيل طهران للمفاوضات. هل إشارات الإدارة بتغيير التوجه إزاء سوريا تهويل أم تلويح بما هو آت لو وصلت المفاوضات إلى الطريق المسدود؟.