فكرة «تجميد» إطلاق النار بشكل متفرق في سوريا، بدءًا بمدينة حلب، التي طرحها المبعوث الدولي ستيفن دي ميستورا، أثارت استغراب المراقبين في واشنطن. توقيتها وأولوية تنظيم «داعش» والنووي الإيراني في الوقت الراهن، فضلاً عن شبه انعدام شروط حتى الخطوة الأولى لتسوية سياسية في سوريا.
ثم إنه سبق وطرحت مبادرة من هذا النوع وانتهت إلى لا شيء. انتهت في أول تجربة بفرض الانسحاب على المعارضة، وليس بتجميد إطلاق النار. كل ذلك جعل من مشروع المبعوث الدولي الذي قفز فجأة إلى المسرح من دون مقدمات وكأن في المسألة لغزاً.
لا اهتمام أميركي
منذ بدء التداول في هذا الموضوع وحتى اليوم، بقي تقريباً خارج الاهتمام في واشنطن. بدا غير جدّي. لم تصدر بشأنه ردود تذكر. وسائل الإعلام لم تعطه أكثر من إشارة عابرة. حتى بعد أن أعلن عنه صاحبه بصورة رسمية. في جوابه على سؤال عن سوريا، قال الرئيس باراك أوباما في مقابلته الأحد الماضي مع شبكة «سي.بي.اس»، إن «الأولوية الآن لداعش». ومع أن الرئيس السوري بشار الأسد «يجب أن يرحل، إلاّ أن الحل في سوريا سياسي».
لم يأت على سيرة مشروع دي ميستورا. بعد يوم، قالت الناطقة في وزارة الخارجية: «بالتأكيد لسنا حالياً في وضع يبدو فيه الجانبان في حالة من هو مستعد للتوجه إلى طاولة التفاوض». ولا حتى جرى التذكير بجنيف 1 أو 2.
اهتمام بالعراق
إذا كان الأمر كذلك، فماذا تعني هذه المبادرة طالما لا أفق سياسياً لها ومن دونه يستحيل أن تصمد. هذا إذا تيسر لها أن تحظى بقبول الطرفين.
النظام لسوري وعد «بالنظر فيها». المعارضات السورية ليس من المتوقع قبول ولو بعضها به. التأييد الأميركي لها، على ما بدا حتى الآن، أقل من فاتر. «بالتأكيد نحن نرحب بأي وقف لإطلاق نار من شانه أن يوفر الانفراج الحقيقي للسوريين.. لكن السوابق تبيّن أن مثل هذه المبادرة انتهت إلى حالة استسلام »، على ما أعلنته الخارجية. واضح أنها غير متحمســة للمبادرة. إما لأنه لا حظ لها. وإما لأن تركيزهــا الآن مصــوّب نحــو العـراق.
المواجهة مع داعش
استثمارها فيه كبير. الرئيس أوباما الذي خرج إلى لا عودة من العراق عاد إليه بثلاثة آلاف عسكري وإن غير قتالي، حتى الآن. والباب مفتوح للمزيد. لا بديل عن المواجهة مع «داعش». وفي هذه المواجهة لا بديل عن القوة البريـــة. ومراهنة البيت الأبيض أن تكون هــذه القوة عراقية.
وليستقيــم التعويل عليهــا، لابدّ من «محاربة الفساد والطائفية فــي صفوفها وهو أمر لا يستوي ما لم يتــم تصحيح المعادلة السياسية التي ما زالــت تزحف ببطء وتعثر»، كما يرى مراقب مطلع على ما يجري في بغداد كما على أجواء الإدارة التي تبــدو أنها في مأزق أو ما يشبه.
أداء ضعيف
وزاد من التعثر والتعقيد أن القبائل التي شاركت في القتال ضد «داعش» في الأنبار، كان أداؤها أقل من المتوقع، حسب معلومات أميركية. فهي تقاتل إلى جانب قوات لا ترتاح إلى مرجعيتها. ترفض «داعش» لكنها لا تأمن لبغداد الحكم. وطالما بقي إقلاع مثلث القوات العراقية – البيشمركة – القبائل متعذراً، طالما تعمّق المأزق.
وحسب بعض العسكريين، أمام واشنطن حتى أواسط العام المقبل فقط لدحر «داعش» وطرده من المناطق التي تحكمها. بعدها يتعمّق الأمر الواقع، خاصة إذا ما بقيت القوة البرية المطلوبة غائبة عن مسرح العمليات.
إشارات
قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفن دي ميستورا إنه تلقى إشارات إيجابية من المسؤولين السوريين بشأن مقترح للمنظمة الدولية لإبرام هدنة في مدينة حلب في شمال البلاد، وهي إحدى ساحات المعارك الرئيسة في الحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام. ويأمل دي ميستورا في التوصل إلى هدنة في عدد من المناطق وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية اليها بدءًا بحلب التي كانت ذات يوم المركز التجاري الرئيس لسوريا.