عندما أعطت حركة النهضة التونسية حرية المبادرة لأنصارها ومنخرطيها في التصويت لمن يرونه «صالحاً» لرئاسة تونس، بهدف ما سمته «تحصين» المسار الديمقراطي وضمان «عدم التغوّل»، إنما هي عملت على تلافي أي صدام في صفوف قياداتها من جهة، والقيادة والقواعد الشعبية من جهة أخرى..
حيث أصبحت تتأرجح بين الإيديولوجيا والسياسة، نظراً لحرج الموقف الذي وجدت الحركة نفسها فيه بعد نزولها للمرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وبرصيد يساوي 26 في المئة من مجمل المصوّتين الذين يمثّلون 61 في المئة من الناخبين المسجلين، ما يعني أن من صوّتوا للحركة لا يتجاوز 10 في المئة ممن يحق لهم الانتخاب.
وعندما تم الإعلان عن فوز حركة نداء تونس في المرتبة الأولى في عدد مقاعد البرلمان القادم (86 مقعداً)، أدرك أنصار حركة النهضة وخاصة منهم الملتزمون بعقيدة الإخوان المسلمين، أن خطراً ما بات يحدق بمشروعهم، خصوصاً مع استحضار ما حدث في مصر وليبيا.
يأتي ذلك بالنظر إلى أن فوزاً محتملاً لزعيم نداء تونس الباجي قايد السبسي ووصوله إلى سدة الحكم في قصر قرطاج، ما سيجعل حركته أمام طريق مفتوح إلى السيطرة على الرئاسات الثلاثة (الدولة، الحكومة والبرلمان)، ما سيعطيها أحقية تشكيل المحكمة الدستورية، ووضع اليد على القرار العسكري والأمني، وتوجيه الدبلوماسية حسب التقاليد المتوارثة منذ قيام الدولة الحديثة بزعامة الحبيب بورقيبة.
عداء لبورقيبة
ولا ينسى إسلاميو تونس عداءهم الأيديولوجي لبورقيبة ولامتدادات الدولة في عهد الرئيس المعزول زين العابدين بن علي، ولذلك انطلق الحديث في وسائل إعلام النهضة ومواقعها الإلكترونية عن إمكانية «تغوّل نداء تونس» و«عودة دولة الاستبداد»، وهو ما حاول رئيس مجلس شورى الحركة فتحي العيادي تبريره بالقول:
إن مشاعر التخوف بدأت تدب في صفوف التونسيين من إمكانية هيمنة طرف وتضييقه على الحرية والديمقراطية، واستدرك بأن النهضة تطمئن الجميع، إذ لا مجال لتغول طرف، وأن «زمن الاستبداد قد ولّى ولن يعود» حسب تعبيره.
خلافات ومواقف
وكان الخلاف بلغ أشده بين «النهضة» وحليفها الرئيس الحالي منصف المرزوقي خلال فترة حكم الترويكا، رغم أن نسبة مهمة من أنصارها كانت تميل إلى خطاب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الداعي إلى العزل السياسي والإقصاء واستبعاد رموز النظام السباق، وإلى تبني الشعارات الثورية المتشددة، ومواجهة الإعلام الذي يتهمه المرزوقي بالفساد والتآمر ضد الثورة.
وبعد انتخابات السادس والعشرين من أكتوبر الماضي، كشفت النتائج عن فشل كبير لحزب المرزوقي الذي اختار التنصل من «المؤتمر» والإعلان عن الترشح للرئاسة مستقلاً، وبادر الجناح الطلّابي للحركة (الاتحاد العام التونسي للطلبة) إلى الإعلان عن مساندة المرزوقي، كما اندفع شباب الإخوان إلى التعاطف معه، بسبب مواقفه المناوئة لأنصار النظام السابق، ومساندته لإخوان مصر وليبيا وفلسطين، كما يقول أحد شباب النهضة.
وخلال اجتماع مجلس شورى حركة النهضة الأسبوع الماضي، تبيّن أن هناك من القيادات من يرى أن الخلاف مع المرزوقي يبقى بسيطاً مقارنة مع الخلاف العقائدي والسياسي مع السبسي، لذلك دعت الحركة إلى دعم الرئيس الحالي في سعيه إلى تحقيق ولاية ثانية، فيما كانت قيادات أخرى ترى أن «وضع كل البيض في سلّة المرزوقي غير مضمون النتائج».
دعم سلفي
ومع إعلان حزب جبهة الإصلاح السلفي دعمه ومساندته للمرزوقي في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، داعياً أنصاره إلى الاصطفاف وراء المرزوقي والمشاركة الفعالة لإنجاح حملته الانتخابية، يبدو أن هناك جهات تحشد بشكل كامن التيارات المتشددة لدعم المرزوقي.
وحضر القيادي السلفي بشير بن حسن، المعروف بمواقفه وشعاراته المناوئة للتوجه المدني الحداثي للبلاد، الاجتماع الذي نظّمه المرزوقي في مدينة مساكن من ولاية سوسة (وسط شرق) في إعلان منه بدعم الرئيس الحالي، في حين أكدت مصادر موثوقة لـ«البيان»، أن التيارات السلفية الجهادية في تونس اتخذت قراراً بالعودة عن مقاطعة الانتخابات والاتجاه نحو صناديق الاقتراع لدعم المرزوقي الذي يبدو بالنسبة لها «أفضل السيئين»، في إشارة إلى السبسي.
يأتي ذلك فيما أعلنت أحزاب البناء الوطني (المنشق عن حركة النهضة) والمؤتمر من أجل الجمهورية (الذي أسسّه المرزوقي) والتيار الديمقراطي (المنشق عن المؤتمر) وحزب الإصلاح والتنمية (السلفي) وحزب البناء المغاربي والحركة الوطنية للعدالة والتنمية، دعم المرزوقي في الانتخابات الرئاسية.
وقال أمين عام حزب البناء الوطني رياض الشعيبي خلال ندوة صحافية، أن هذا القرار جاء بعد جملة من الحوارات بين الأحزاب تجرى منذ عشرة أيام.
تحالف
يرى مراقبون أن أحزاب القوى الثورية الراديكالية قررت التحالف مع الأحزاب والتيارات السلفية وقواعد حركة النهضة ذات المرجعية الإخوانية وأنصار رابطات حماية الثورة المنحلّة لدعم المرزوقي، غير أن ذلك لا يبدو كافياً، نظراً لضعف حضورهم في المشهد التونسي، وهو ما دعاهم إلى الإعلان عن تأسيس تنسقيات محلية وجهوية للتأثير في نوايا الناخبين وخاصة من الفئات الفقيرة والمحرومة وبين الأميين في الأرياف والمناطق الشعبية.
وقال مصدر مطلع من حركة نداء تونس، أن «التآمر على الحركة وصل إلى حد قيام جهات حكومية في مناطق داخلية بهدم منازل ومحال تم بناؤها فوضوياً بعد الثورة، وتبرير ذلك لأصحابها بأنها تأتي نتيجة تصويتهم لنداء تونس في الانتخابات البرلمانية». البيان
تهديدات غرهابية تستهدف الولايات الغربية
كشف وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو، عن وجود تهديدات أمنية حقيقية على الحدود التونسية الجزائرية، وتحديداً في ولايات الكاف وجندوبة والقصرين، شمالي ووسط غربي البلاد.
وأوضح بن جدو، على هامش أعمال ملتقى دولي حول القضاء ومكافحة التعذيب، أمس، أنه تم رصد تحركات للإرهابيين في المناطق المذكورة، مؤكداً «مواصلة الجهود الأمنية التونسية لمواجهة هذه التهديدات، والتصدي لها بنفس الجدية والصرامة التي تعاملت بها قوات الأمن والجيش التونسيين مع التهديدات والأحداث التي سبقت الانتخابات التشريعية».
وأعرب عن أمله في إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس بإنجاح الانتخابات الرئاسية القادمة.
من جهة ثانية، دعا الأمين العام لحزب حركة نداء تونس، الطيب البكوش، إلى حل الأحزاب الداعمة لرئيس البلاد المرشح الرئاسي المنصف المرزوقي، واتهمها بالاعتماد في حملتها الانتخابية على المتهمين بالعنف والإرهاب، على غرار رابطات حماية الثورة، التي تم الإعلان عن حلها بحكم قضائي، وعادت إلى التحرّك لدعم المروزقي وتهديد منافسيه.
وفي رده على إعلان ستة أحزاب دعم الحملة الانتخابية للرئيس التونسي، قال البكوش، إن ذلك ليس سوى مساع مبنية على مغالطات، موضحاً أنه كان يفترض حل هذه الأحزاب.
بالمقابل، أصدر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بياناً شديد اللهجة، رداً على تصريح البكوش، جاء فيه أن «اتهام أحزاب وطنية بدعم الإرهاب، ادعاء بالباطل وكذب، وإسفاف لا يليق بأي سياسي».
بدورها، أكدت المرشحة الرئاسية كلثوم كنو، أن الانتخابات الرئاسية ستمر إلى الجولة الثانية، لأنه لا يوجد مترشح قادر على الحصول على عدد من الأصوات يفوق الخمسين في المئة، معلنة أن حركة النهضة تدعم مرشحاً من «تحت الطاولة»، واعتبرت أن حظوظها وافرة، خاصة أنها تجد دعماً كبيراً من فئة الشباب، حسب قولها.
كما اعتبر مرشح حزب المبادرة الوطنية الدستورية كمال مرجان، أنه من الصعب حسم الانتخابات الرئاسية منذ الدورة الأولى، نظراً لكثرة المرشحين، قائلاً: «لدي حظوظ وافرة للمرور إلى الدورة الثانية لهذا الاستحقاق الانتخابي، وسأقبل بالنتائج التي سيفرزها الصندوق».