بإرسالها 1500 عسكري آخر، تكون إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ضاعفت عدد القوات الأميركية في العراق في غضون أشهر قليلة. بدأت بأقل من مئتي عنصر لحراسة منشآت السفارة الأميركية في بغداد. تلا ذلك دفعات تزايد حجمها مع تزايد خطر «داعش»، لتصبح اليوم ثلاثة آلاف، تتوزع مهامها بين التدريب وتوفير الدعم والخبرات في جبهات القتال «من دون المشاركة في العمليات الميدانية».
جاء ذلك بناء على توصية من وزرة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، كان أشار إليها الجنرال قائد المنطقة الوسطى التي تشرف على العمليات في العراق وسوريا لوويد أوستن؛ خلال محاضرة ألقاها في واشنطن قبل يومين. وشدد الجنرال في حديثه على «أولوية العراق» في المواجهة الجارية مع «داعش».
الساحة السورية كما قال، تجري ملاحقة «داعش» فيها بقدر ما تتطلبه شروط تنظيف الساحة العراقية. الأخيرة هي الأساس والأولى ملحق خاضع التعامل معه لمقتضيات المهمة في الثانية. خطاب حرص المسؤولون مؤخراً على تأكيده.
عودة بالتقسيط
في ضوء «استراتيجية أوباما» التي فتحت باب العودة العسكرية بالتقسيط إلى العراق، يعكس هذا الخطاب حالة من اثنتين: إما أنه تعبير عن انكفاء فرضته خطة مرتبكة وإما انه ملغوم. في إعلانه عن خطوة الحرب الجوية، قال الرئيس إن الغرض منها هو «تحجيم ثم القضاء» على داعش . يفترض ذلك تنظيف الساحتين العراقية والسورية منها.
وبالدرجة الأولى سوريا باعتبارها مكان ولادة «داعش». فلا يتحقق القضاء عليها إذا ما تم الفصل بين الأصل والفرع. الإدارة تزعم أن إعطاء الأفضلية للساحة العراقية يعود إلى كونها تمتلك قوة برية يمكن التعويل عليها لمقاتلة داعش، ولو أنها بحاجة إلى إعادة تأهيل.
كما أنه صار لبغداد حكومة جديد شاملة لمختلف القوى. شرطان لا بد منهما لنجاح المواجهة وكلاهما غير متوافر في سوريا. في الوقت ذاته، لا تنفك عن التذكير بمشروع 500 مليون دولار لتدريب وتسليح الجيش السوري الحر، بحيث يصبح قادراً على تأدية دور القوة البرية ضد داعش في سوريا.
السؤال: لماذا تكون فعالية القوات العراقية التي يجري تدريبها، مرهونة بوجود حكومة عراقية جامعة ولا يكون مثل هذا الشرط مطلوب توافره في حالة الجيش الحرّ؟ لماذا ما يصح في العراق لا يصح في الحالة السورية؟ المبعوث الخاص الجنرال المتقاعد جون ألن، قال بعد جولته الأخيرة في المنطقة إنه «ليس المقصود من تسليح الجيش الحرّ هو تشكيل قوة لتحرير دمشق.
فلا نية في ذلك». الغرض فقط تمكينه من الاشتباك مع داعش. لكن لا الجنرال ولا البيت الأبيض ولا الخارجية يشرح كيف يمكن لهذه القوة أن تنهض بذات الدور المتوقع أن تقوم به القوات العراقية، في حين أنها مثل هذه الأخيرة لا تستند على وضع سياسي حكومي جامع؟ بل كيف يمكن للحرّ أن يتحرك بفعالية وهو بين فكي كماشة داعش والنظام؟.
تلهف أميركي
التضارب واضح. ونية الإدارة أوضح. فهي ليست في وارد التصدي للنظام السوري. ليس من باب الرغبة في الابتعاد عن التدخل في حرب أهلية، كما تقول. تعاملها مع دمشق محكوم من البداية، بحسابات التفاوض مع إيران حول النووي. جريدة «وول ستريت جورنال» كشفت عن أن الرئيس أوباما بعث برسالة سرية في أكتوبر الماضي إلى المرشد الأعلى خامنئي، لتذكيره بأن هناك مصلحة مشتركة في مقاتلة «داعش»..
لكنه ربط التعاون في هذا الخصوص بتسوية الملف النووي بشكل نهائي. ويأتي هذا الكتاب وهو الرابع من نوعه على ما تقول مصادر الجريدة، في إطار «تلهّف» الإدارة على تحقيق اختراق في هذا الملف الذي يعتبره البيت الأبيض بمثابة جائزة كبرى. في هذا السياق، يندرج الموقف من سوريا كما المراهنة على تعويم الوضع العراقي بتركيبته الغالبة فيها كفة طهران.
