بعد أن تمكّن الحوثيون من السيطرة على معظم شمال اليمن بات الجنوب حائط الصد الأقوى لكبح جماح هذه القوة المفاجئة التي باتت تتحكم بالأوضاع الداخلية والمنافذ الجوية والبرية والبحرية للمحافظات التي كانت تشكل دولة شمال اليمن قبل تحقيق الوحدة في العام 1990.

ومع قبول السلطات أن تصبح قوات الجيش والأمن والتي يزيد تعدادهما عن نصف مليون فرد القوة الثالثة في البلاد فإن المواجهات تنحصر الآن بين المسلحين الحوثيين المدعومين من الزعماء القبليين المؤيدين للرئيس السابق من جهة، وجماعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة ورجال القبائل من جهة أخرى.

الحوثيون الذين أسقطوا العاصمة ويتحكمون بمطارها الدولي والأوضاع الأمنية فيها باستثناء محيط منزل الرئيس عبد ربه منصور هادي، أصبحوا يتحكمون بالشريط الساحلي الواقع على البحر الأحمر ابتداء من نقطة الحدود مع السعودية عند جزيرة الدويمة في محافظة حجة وحتى أطراف مديرية ذباب التي يوجد بها مضيق باب المندب. وتمكنوا خلال اليومين الماضيين من السيطرة على مديرية جبل راس بمحافظة الحديدة والتي تتحكم بمداخل ثلاث من المحافظات المهمة هي إب وذمار وتعز.

وأعلن قادة الجنوب بمختلف توجهاتهم بصوت واحد رفضهم أي تمدّد للحوثيين باتجاه تلك المحافظات، رغم ورود أنباء عن تسلّل بعض الحوثيين إلى محافظتي عدن وشبوة. وزاد من وهج الاعتصامات المطالبة بالانفصال مع كل انتصار يحققه الحوثيون في الشمال.

لجان شعبية

وكان القائد العسكري البارز محمود الصبيحي شكل مع رجال القبائل لجاناً شعبية لمنع أي تقدم للحوثيين باتجاه محافظة لحج، بعد أنباء عن وصول مجاميع من المسلّحين الحوثيين إلى مناطق محافظة تعز، وتم الدفع بتعزيزات كبيرة إلى مديرية ذباب لمواجهة أي محاولة من الحوثيين للسيطرة على مضيق باب المندب.

ومنذ أيام حشدت اللجان الشعبية التي تشكلت لمواجهة تنظيم القاعدة في محافظات شبوة وابين ولحج وعدن المئات من مقاتليها ودفعت بهم إلى عدن حيث أخضع هؤلاء لتدريبات قتالية سريعة في انتظار توزيعهم على المؤسسات الأمنية والعسكرية والخدمية لحمايتها من المسلحين الحوثيين أو «القاعدة» بعد أن نشر مئات آخرون في محافظة لحج لتأمين الطريق الذي يربط الشمال سابقاً بمحافظات الجنوب.

وقال عبداللطيف السيد، وهو قائد اللجان الشعبية التي خاضت مواجهات مع عناصر «القاعدة» في محافظتي ابين وشبوة، إن وجود اللجان الشعبية في عدن هو مساعدة للقيادات العسكرية الجنوبية..

فيما نقل عن مصادر عسكرية القول إن الاستعانة باللجان الشعبية من أبناء محافظات جنوبية تأتي عقب المخاوف من قيام قيادات عسكرية موالية لجماعة الحوثي أو أطراف سياسية أخرى في صنعاء بتسهيل استيلاء عناصر الحوثي أو القاعدة على المؤسسات الحكومية أو المعسكرات في عدن.

صالح والحوثيون

وفي ظل تحالف غير معترف به بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والمسلحين الحوثيين ويقال إنه كان وراء هذه الانتصارات والسيطرة على المدن والمناطق بتلك السهولة، فإن الخبراء العسكريين يحملون السلطات المسؤولية عن التخاذل في مواجهة هذا التمدّد. ووفق قائد عسكري كبير فإن المعلومات تشير إلى امتلاك الحوثيين نحو ثمانية آلاف مقاتل وهذه القوة هي التي تتوزع اليوم في مختلف مناطق البلاد.

القائد العسكري الذي تحدث لـ «البيان» طالباً عدم ذكر اسمه أوضح أن الجيش يمتلك لواء عسكرياً كبيراً في محافظة إب وباستطاعة هذا اللواء قطع الامدادات عن المئات من المسلحين الحوثيين المتواجدين في المحافظة، في حين أن قوات الجيش في محافظتي ذمار والبيضاء بإمكانها قطع الإمدادات أيضا عن المجاميع الموجودة في المحافظتين..

وكذلك الأمر في صنعاء والحديدة والمناطق الجبلية الواقعة بين محافظتي الحديدة اب وذمار، بحيث يصبح المقاتلون الحوثيون مجموعة من الجزر المتناثرة التي لا تمتلك القدرة على التنسيق، وحتى الحصول على الإمدادات.

وعن وجود مؤيدين للمسلّحين الحوثيين في تلك المناطق وتحالفهم مع اتباع الرئيس السابق وهؤلاء في الغالب زعامات قبلية أو مسؤولون حاليون وسابقون، قال القائد العسكري إن صانع القرار السياسي لو اتخذ خيار تقطيع أوصال ميليشيات الحوثيين ودعم الجماعات القبلية المحلية فإن ذلك سيخلق حالة من الدعم الشعبي الكبير لقوات الجيش في المواجهة وسيضعف الدعم الذي يحصل عليه الحوثيون حالياً.

وفي واقع اختيار تجمع الإصلاح وحلفائه العسكريين والقبليين عدم المواجهة وهم القوة التي كان النظام السابق استند عليها في ضرب قوى اليسار في الثمانينات، ومن ثم الحزب الاشتراكي في حرب صيف 1994، فإن «القاعدة» وجناحه في اليمن تنظيم «أنصار الشريعة» أصبح القوة الوحيدة التي تواجه الحوثيين إلى جانب رجال القبائل..

في حين اختار الرئيس هادي ومعه الأحزاب السياسية الاستعانة بالضغوط الدولية لإجبار الحوثيين على ترك خيار القوة المسلحة والانخراط في الحياة السياسية لكن ذلك الأمر يبدو بعيد المنال، لأن القوة حققت للحوثيين ما لم تتمكن فصائل أخرى من تحقيقه طوال الخمس والعشرين سنة الماضية.

الحوثيون نحو التحكّم بالدولة

الحوثيون الذين أصبحوا القوة الكبرى في الواقع اليمني يستعدون للتحكم بقرار الدولة اليمنية لسنوات طويلة، فقد استخرجوا قراراً بتجميد أموال اللواء علي محسن الأحمر المستشار العسكري للرئيس هادي والذي وصف نفسه ذات يوم بأنه كان الرجل الأول في حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح..

كما اتخذوا نفس الخطوة في حق القيادي في حزب الإصلاح والزعيم القبلي البارز حميد الأحمر الذي يمتلك نحو خمسين شركة تعمل في مجالات مختلفة، وقاموا بإغلاق ومصادرة الاختام الرسمية لنحو عشر من الوزارات، وفرضوا لجاناً رقابية على صرف مرتبات قوات الجيش واعتمادات قادة الوحدات العسكرية والأمنية.