لم تكن حركة النهضة التونسية تعتقد للحظة واحدة أن تخسر في الانتخابات البرلمانية وتتراجع إلى الوراء قليلاً، لتترك مركز الصدارة لمنافسها «اللدود» حزب حركة نداء تونس الذي كان راشد الغنوشي وصفه قبل عامين بأنه أخطر على البلاد من الجماعات السلفية الجهادية..
وتنظر إليه الحركة على أنه يحمل إرث بورقيبة الفكري في محاربة قوى الإسلام السياسي ومعاداتها، مع اعتقاد إسلاميي تونس بأن دولة الاستقلال انبنت منذ العام 1956 على قيم حداثية ومدنية متناقضة مع قناعاتهم ومبادئهم، ووصلوا إلى حد تكفير الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ونعته بأنه كان «أتاتورك التونسي».
عملت حركة النهضة على تشكيل مشهد عام للسلطات ضمن الدستور الجديد يرتكز على نظام برلماني، انطلاقاً من إيمان قياداتها بأنها ستحقق خلال الانتخابات البرلمانية لأكتوبر 2014 ذات النتائج التي حققتها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 وربما أكثر..
حيث تسيطر على أغلبية مقاعد مجلس نواب الشعب، ما يؤهلها لتشكيل الحكومة، وبالتالي تسيطر على السلطات التشريعية ضمن تحالف متجاوب مع توجهاتها، وتقوم بتشكيل حكومة تابعة لها، ووصل الأمر إلى حد الإعلان عن ترشيح نائب رئيس الحركة عبدالفتاح مورو لرئاسة البرلمان.
وحتى لا يتكرّر السيناريو المصري، اختارت حركة النهضة ألا تدفع بأي مترشح عنها للانتخابات الرئاسية، وقررت أن تكتفي برئاستي الحكومة ومجلس نواب الشعب، على أن تدعم مرشحاً للرئاسة يكون قريباً منها ومضموناً لديها، علماً أن الدستور التونسي يحد من صلاحيات رئيس الدولة ويحتكرها في القرارات الأمنية والعسكرية باعتبار أن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك بالتشاور مع رئيس الحكومة في ما يتعلق بالشأن الخارجي، وبتمثيل البلاد في المحافل الدولية.
وقبل أيام من الانتخابات البرلمانية، كان راشد الغنوشي أكد أنه على يقين من نجاح حركته.. لكن المفاجأة حدثت يوم 26 أكتوبر الماضي عندما تحالفت القوى التجمعية والدستورية والبورقيبية..
واختارت اعتماد مبدأ التصويت الناجح لفائدة نداء تونس وعدم إهدار الأصوات بتشتيتها بين القوائم المختلفة، وحصل حزب قايد السبسي على المرتبة الأولى في عدد مقاعد البرلمان بـ85 نائباً، ما يؤهله دستورياً للتحالف مع أحزاب أخرى لتحقيق الأغلبية بـ109 مقاعد، وبالتالي تشكيل الحكومة.
وهكذا، خسرت النهضة الرهان وأهدت مميزات رئيس الحكومة التي كانت أصرت على ترسيخها في الدستور إلى حركة نداء تونس، كما ندمت على عدم تقدمها بمرشح لرئاسة الدولة، والذي كان نتيجة اعتقادها بأنها ستكتفي برئاستي الحكومة والبرلمان، كما خسرت وحدة صف أنصارها الذي عرف الانشقاق أخيراً، عندما اتجه فصيلها الطلابي (الاتحاد العام التونسي للطلبة)..
وقواعدها الشبابية إلى مساندة المرزوقي في حين اختار مجلس شوراها الانتظار أسبوعاً آخر لتحديد موقف القيادات، والذي ستحدد على ضوئه حركة نداء تونس موقفها النهائي من شكل التعامل مع الإسلاميين أثناء تشكيل الحكومة القادمة وطبيعة التحالفات المنتظرة في البرلمان الجديد.