ما اجتمعت المعارضة السودانية إلا لتفترق، وما اتفقت إلا لتختلف. هذا أبسط ما يمكن أن يصف به المراقب حالة الأحزاب المعارضة في السودان. فما إن تتفق على شيء حتى يبدأ الخلاف في السريان في شرايين ذلك الاتفاق، ومن ثم تعود الاتهامات المتبادلة من جديد لترسم ذات الملامح اليائسة على جبين المعارضة السوداني.

ورغم المساعي التي تقودها قيادات بعض الأحزاب في لم شمل القوى المعارضة المتناثرة ما بين التقارب مع الحكومة، وتلك التي تنتهج التطرف الصارخ في مناوأتها للنظام وتدعو لإسقاطه، غير أن الخلافات المتأطرة فيما بين تلك الأحزاب تجعل من وحدتها أمراً صعب المنال، إن لم يكن مستحيلاً، وذلك لاعتبارات أيدولوجية وأخرى شخصية تغلب عليها المصالح الذاتية على مصلحة الوطن العليا.

نقطة تلاقٍ

وفي رحلة البحث عن نقطة تلاقٍ تجمعت بعض الأحزاب والقوى المعارضة، السبت الماضي، في الخرطوم، من أجل إيجاد الآليات الممكنة لتوحيد قوى المعارضة السودانية، وتوصلت الأحزاب المشاركة في الاجتماع إلى ضرورة استمرار التنسيق بين الأحزاب السياسية والتحالفات السياسية الراهنة والجبهة الثورية المتمردة، وكل القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والمجموعات الشبابية والمرأة في كافة القضايا والأنشطة، تمهيداً لتكوين آلية موحدة للتغيير، إضافة إلى تكوين لجنة لصياغة رؤية كلية واعتماد اتفاقيات (إعلان باريس، إعلان أديس أبابا، إعلان طيبة، خريطة الطريق للحوار الوطني، وثيقة البديل الديمقراطي، ووثيقة الفجر الجديد)، وكل الوثائق التي وقعت بين القوى السياسية والنظام كمرجعيات لعمل الآلية.

محاولات فاشلة

وبالوقوف على بعض محاولات المعارضة السودانية للتجمع في كيان واحد خلال السنوات القريبة، يجد المتابع أن جميع الإعلانات والاتفاقات التي وقعتها كانت سبباً للتفرق أكثر من كونها نقطة للالتقاء.

ففي يناير 2013، وقعت أحزاب المعارضة والجبهة الثورية المتمردة على وثيقة كمبالا التي عرفت بميثاق الفجر الجديد، والتي تهدف لتوحيد قوى المعارضة المدنية والعسكرية للعمل من أجل الإطاحة بحكومة الرئيس السوداني عمر البشير وتشكيل البديل الديمقراطي.

غير أن الوثيقة فشلت في تحقيق مراميها بعد تنصل غالبية الأحزاب والقوى الموقعة على الوثيقة، لتعود المعارضة في شهر يونيو من ذات العام أي الماضي وتعلن عن خطة للتغيير قالت إن كياناتها المختلفة قد أجمعت عليها تتمثل في «خطة الـ100 يوم» للإطاحة بالنظام سلمياً، من خلال تعبئة الشارع السوداني للخروج في انتفاضة شعبية.

ومضت الثلاثة أشهر ولم تخرج الخطة من دائرة القول إلى العمل، بل أصبحت مثاراً للسخرية من قبل الحكومة ومن يواليها.

وكانت القشة التي قصمت ظهر المعارضة السودانية هي المبادرة التي أطلقها الرئيس عمر البشير للحوار الوطني، حيث قبلت بالمبادرة عدة أحزاب ورفضتها أحزاب أخرى، ما تسبب في تصدعات داخل الجسم المعارض الهش أصلاً بسبب التنافر بين أعضائه.

وثيقة باريس

وفي ذات الاتجاه، أخيراً، فشلت وثيقة إعلان باريس التي وقعها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي الذي نفض يده من مبادرة البشير للحوار وغادر السودان غاضباً بعد اعتقاله، بسبب انتقاده لقوات الدعم السريع التابعة لجهاز الأمن مع الجبهة الثورية المتمردة بالعاصمة الفرنسية باريس في أغسطس الماضي.

فشلت الوثيقة رغم تركيز موقعيها على أن الغرض منها وقف الحرب وتوحيد قوى التغيير، وواجه تحالف قوى الإجماع الوطني وثيقة باريس بهجوم عنيف، واعتبرها رئيس التحالف المعارض فاروق أبو عيسى عصا لضرب التحالف وأنها محاولة لخلق مركز جديد للمعارضة.

كل تلك الشواهد عدها مراقبون تذبذباً في مواقف قوى المعارضة، ومؤشراً لاختلاف كبير في أجندة القوى الساعية للتغيير وأفقدها ثقة الكثير من جماهيرها.

إخفاق جديد

في محاولة جديدة لتجميع القوى المعارضة السودانية، عقد شيخ ما يعرف بالطرقية القادرية العركية أزرق طيبة أواخر أكتوبر الماضي، لقاء جمع عدداً من القوى السياسية. وقال القيادي في حزب المؤتمر الشعبي المعارض كمال عمر في تصريح لـ«البيان»: إن اللقاء قصد منه توحيد قوى المعارضة التي قال إنها متفقة على التغيير، ولكنها مختلفة حول إجراءات التغيير، غير أنه وسرعان ما تنصلت بعض القوى التي شاركت في اللقاء عما خلص إليه من إعلان ونفضت يدها عنه. البيان