طعنت شخصيات وفصائل عسكرية محسوبة على المعارضة بخطوة دخول عناصر من الجيش الحر بقيادة العقيد عبد الجبار العكيدي إلى مدينة عين العرب (كوباني) للدفاع عنها ضد «داعش» في الوقت الذي تركت جبهة ثوار سوريا وحركة حزم تتجرع الويلات تحت مخالب جبهة النصرة التي انقضت على وجودهما بشكل نهائي في جبل الزاوية بريف إدلب، كما شرع الفراغ الحاصل في جبهة مدينة حلب الأبواب أمام النظام السوري لقضم مساحات جديدة، ليستثمر تنظيم داعش بدوره غياب التشكيلات العسكرية المعتدلة، للسيطرة على حقل الشاعر في ريف حمص، ثاني أكبر حقل الغاز في البلاد.

بيد أنه من الإجحاف التسليم بهذا التصور الاختزالي في تحميل هزيمة المعارضة المعتدلة على خلفية انتقال عناصر الجيش الحر إلى مدينة عين العــرب، وهو تصور لا يستقيم مع المعطيــات الميدانية الدقيقة، فعملية زج عناصــر الجيش الحر في معركة كوبانــي جــاءت وفق ما أكدتها العديد من التصريحــات الرسمية بناء على طلب الحكومة التركيــة مقابل السماح بدخول عناصر البشمركــة الكردية، في خطوة اعتبرها المراقبــون بأنها تساير المصالح التركية التي ترفــض استفراد وحدات حمايــة الشعــب بزمام المبــادرة وحدهــا فـي المدينـة.

ضربة استباقية

المقاربة التي قد تبدو أكثر منطقية في فهم هزيمة الفصائل الثورية في جبل الزاوية، تكمن في محتوى تصريحات زعيم جبهة النصرة محمد الجولاني، حيث برر محاربته قائد جبهة ثوار سوريا جمال معروف بحكم ترشيح قواته من قبل التحالف الدولي ليكونوا نواة المعارضة المعتدلة في ضرب الفصائل المتطرفة المنتشرة في البلاد، وهو ذات الهدف الذي يتشاطر النظام مع الفصائل الإرهابية في وأد الفصائل المعتدلة خوفاً من كيانه السياسي والعسكري في المستقبل، خاصة لو حظيت هذه الفصائل بأسلحة نوعية وقدرات تدريبية عالية. ويبدو أن الجولاني والذي يدرك أن جبهة النصرة ستكون لا محالة في مرمى ضربات طيران التحالف في وقت قريب، أراد أن يباغت جمال معروف بالتنسيق مع مجموعة من الفصائل المتشددة في ريف إدلب وحلب، قبل أن يقوي شوكته ميدانياً من خلال الدعم والمساندة الغربية المتوقعة.

تأخر التحالف

وإذا كان الجولاني برر سيطرته على معاقل جبهة ثوار سوريا بهذا النحو، فإن موقف التحالف الدولي اللامبالي حتى الآن في مناصرة «ثوار سوريا» بخلاف ما يجري في عين العرب زاد من ضبابية المشهد، وكأن واشنطن رغم تعبيرها عن قلقها من استيلاء جبهة النصرة على الأسلحة الغربية التي كانت بحوزة جبهة ثوار سوريا حسب ما أشارت الناطقة باسم الخارجية الأميركية جينفر بساكي، لم تبذل عملياً جهود تذكر في الحد من تقدم جبهة النصرة صوب معاقل حلفائها المفترضين في ريف إدلب، وتبعاً للمؤشرات الميدانية المتداولة كان من الممكن أن يعرقل طيران التحالف مبكراً حشود جبهة النصرة صوب جبل الزاوية كخيار قابل للتنفيذ تزامناً مع تحليق طيران التحالف يومياً من فوق سماء شمال البلاد، الأمر الذي يفتح علامات استفهام جديدة حول هوية المعارضة المعتدلة والمعتمدة وفق المنظور الاستراتيجي الغربي، وفيما إذا كانت جبهة «ثوار سوريا» تشكل فصيلاً من فصائلها المعتدلة أم أنها لم تكن مدرجة ضمن إستراتيجية واشنطن الجديدة بسبب افتقارها للشروط المطلوبة.

مقاربة مبالغة

لم يتجاوز عدد العناصر التي دخلت إلى كوباني تحت راية الجيش الحر بالتنسيق مع تركيا 50 مقاتلاً مجهزين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وهذا العدد بحد ذاته لا يعول عليه في إحداث تغييرات جوهرية في مجرى المعارك في ريف إدلب، وعاد قرابة نصف هذا العدد إلى إدراجها في تركيا مجدداً لأسباب لم يتوضح بعد، وبالتالي اعتبار اشتراك الجيش الحر في معركة عين العرب استنزف الجبهات الداخلية بحيث استفادت منها جبهة النصرة قول بعيد عن الواقع ومقاربة مبالغ فيها.