لم يكن قرار القيادة الفلسطينية التوجه لمجلس الأمن بطلب إنهاء الاحتلال وليد اللحظة، وإنما كانت حصيلة سعي إسرائيل المتواصل إلى إحباط جهود السلام، وإطفاء النور عن العملية السلمية، واستغلالها في فرض مزيد من الواقع الذي يسقط حل الدولتين بالتهويد والاستيطان، مدفوعة بسياسة أميركية تنفرد بالعملية وتكيل بمكيالين يستحيل وفقهما التنبؤ بحل يفضي لإنهاء الاحتلال ونيل الفلسطينيين لحقوقهم بالحرية والاستقلال في كنف الدولة المشروعة على حدود الرابع من يونيو 1967.
وفي وقت تضع إسرائيل الفلسطينيين بين خيارين كلاهما مر: إما الخضوع لمفاوضات على الطريقة الإسرائيلية، وإما مواجهة آلة الموت التي لا تنفك عن ذبح الفلسطينيين بمجازر جمة في غزة والضفة لاسيما مدينة القدس المحتلة، كان القرار للخروج من دائرة الخيارات الضيقة التي يفرضها الاحتلال التوجه إلى مجلس الأمن بطلب إنهاء الاحتلال وفق خطة زمنية لا تتعدى ثلاثة أعوام باعتبارها الآلية الفلسطينية الوحيدة للخوض في مفاوضات جديدة ولكن على الطريقة الفلسطينية هذه المرة، فضلاً عن إعادة تحريك الجهود الدبلوماسية في الساحة الدولية لاسيما الأوروبية التي تقترب إلى الدفة الفلسطينية بعيداً عن التضليل الإسرائيلي، لحصد المزيد من الاعترافات بالدولة الفلسطينية قبل طرح خطة الحصول عليها في مجلس الأمن.
دوافع واضحة
وبخلاف وضوح الدوافع الفلسطينية لهذا التوجه، تسود الضبابية السياسية في توقع الاحتمالات المقبلة، خصوصا وأن الإدارة الأميركية بدأت في التحرك لخلق بديل عن هذا التوجه، بموازاة استمرار التصعيد في فلسطين عامة والانفجار الحاصل في القدس المحتلة خاصة، إلى أن هذه المبادرة كسابقاتها مفرغة من أية تفاصيل ولا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.
ويشدد المحلل السياسي سمير عباهرة في حديثه لـ«البيان» على أن التوجه الفلسطيني «حشر إسرائيل في الزاوية، وسبب إحراجاً للولايات المتحدة، ووضعها في مأزق بتوجيه ضربة لسياستها في الشرق الأوسط، لأنها عجزت طوال العقود الماضية عن إحداث حالة من التوازن في سياستها طوال أعوام التفرد بملف التسوية». ويضيف: «الولايات المتحدة أمام خيارين: إما معارضة القرار واستخدام الفيتو وهذا سيعرض السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى انتكاسة جديدة، أو تأييدها للقرار وهذا سيدفع بها إلى مواجهة مع إسرائيل واللوبي اليهودي المؤيد لها في الولايات المتحدة لذلك تحاول الولايات المتحدة الاستعاضة عن ذلك في حفظ ماء وجهها وأن تطالب الجانب الفلسطيني بوقف مساعيه في المنظمة الدولية».
تنبؤات الفشل
أما في حال تخطت خطة إنهاء الاحتلال بر الأمان بعيداً عن البدائل الأميركية لثنيها، فإن تنبؤات الفشل تغلب احتمالات النجاح، على الرغم من الاعترافات الدولية والميزان الدولي الذي نجحت الدبلوماسية الفلسطينية في قلب ميله تجاه المطلب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال، حيث إن الفيتو الأميركي بالمرصاد. وعلى نقيض من ذلك، فتحت المصادر الدبلوماسية الغربية، التي سربت خبراً مفاده أن واشنطن تدرس وللمرة الأولى الامتناع عن استخدام حق النقض لإحباط مشروع القرار الفلسطيني، الباب مفتوح على قليل من الأمل لدى شريحة ضيقة من الفلسطينيين.
ويؤكد المحلل السياسي عبد الله البوم أن الإدارة الإميركية «لن تقف هذا الموقف مع الفلسطينيين ضد إسرائيل، وخصوصاً في هذا التوقيت الذي تعيش فيه حكومة نتانياهو عزلة دولية»، مضيفاً: «تسريب هذا الخبر يأتي من باب الضغط الأميركي على إسرائيل لدفعها لتقديم تنازلات من شأنها أن تنجح المبادرة الأميركية البديلة».
موافقة مستحيلة
على قاعدة «المؤمن لا يلدغ من ذات الجحر مرتين»، يرى المراقبون أن نجاح الإدارة الأميركية في ثني التوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن والعودة للمفاوضات وفق مبادرتها بشكلها الحالي مستحيل بعد اللدغات الكثيرة التي تدهورت على أثرها الأوضاع الفلسطينية كافة لأن القيادة الفلسطينية تعلمت الدرس من جهة وليست في وضع يسمح لها استمرار «التجريب» دون ضمانات دولية تجعل من مسايرتها لنسخة كيري الجديدة مغامرة غير محمودة العواقب تطيح بجمهورها وتجعلها عرضة لنقمة الشعب الذي نفذ صبره من تكرار ذات الأسطوانة المفرغة لاسيما وأن إسرائيل مستمرة في تصعيدها.