قبل أيام قليلة فقط، أعلن عن مقتل أحد طلاب الجامعة الأردنية، ويدعى جهاد غبن في جبهة إدلب في سوريا، بعد أن سبق والتحق قبل أشهر بجبهة النصرة. ولم يمض يومان حتى أعلن عن مقتل طالب آخر من جامعة العلوم والتكنولوجيا هو عبد الله أبو حليمة، الذي أعلن عن مقتله في إدلب أيضاً، بعد التحاقه بجبهة النصرة.

ما لا يعرفه الكثير ممن قرؤوا خبر مقتل الشاب غبن، أنه كان يسارياً قبل أن يلتحق بجماعة الإخوان، ثم تحوّل إلى ناشط في الحراك الشبابي المطالب بالإصلاح في المملكة. وطوال ثلاثة أعوام وجهاد يطوف شوارع العاصمة عمّان هو وزملاؤه من الحراكيين في مسيرات مطالبة بالإصلاح، لكنه فجأة اتخذ منحنى حاداً، فقرر القتال في سوريا. فما الذي جرى له؟.. يسأل الكثير ممن عرفوه شاباً حراكياً ينادي بالدولة المدنية في الأردن.

وتقول إحدى زميلاته: «كان ضحيّة كما باقي الشباب الحراكيين، فجهاد غبن لم يكن يوماً قاتلاً، ولم يكن يوماً إرهابياً، لكن الانكفاء إلى الخلف بعد أعوام من الربيع العربي حوّله إلى متشدد».

وجهاد أو جهاد شعراوي نسبة إلى علكة شعراوي التي كان يعمل في صناعتها ليعيل نفسه، ليس من معان، المحافظة الواقعة جنوبي المملكة، والتي اشتهرت بأن إسلامييها الأقرب إلى فكر «داعش» المتطرف. كما أن أبو حليمة لم يعرف بأنه اقترب يوماً من الفكر الإرهابي، فما الذي جرى لهما؟.

فشل تيار

وأثبت «الربيع العربي» فشل تيار برنامج ما يوصف «الإسلام السياسي» في قيادة الدول. لكن لم يكن هذا كل شيء، فعلى حين غرة، صعد تيار آخر لم يكن بالحسبان، هو تيار ما يسمى «السلفية الجهادية»، أو هكذا يقول خبراء السلفية التي بدأت تأخذ أشكالاً خطيرة في المنطقة، منها ما تعرف بتنظيم داعش أو جبهة النصرة.

ويتحدث علماء اجتماع وخبراء حركات سلفية عن خطورة المرحلة بالنسبة إلى الشباب الأردني، الذي كان مشغولاً طوال الأعوام الماضية بمطالب الإصلاح.

ويقول الخبير في الحركات السلفية مروان شحادة، إن «مراجعات جادة للشباب تتجه لصالح مشروع السلفية الجهادية»، بينما يقول د. حسين الخزاعي أستاذ علم الاجتماع: «لم يترك أحد للشباب من منفذ آخر سوى التطرف، وهو خطر يجب قراءته جيداً».

إن استمرت حالة التدهور لمشروع الإسلام السياسي، فإن ما لم تستطع الأنظمة طوال ثمانين عاماً القضاء عليه سينتهي، لكن لصالح المتشددين. وستتحول أحزاب الإسلام السياسي إلى عبء على رفّ الحزبية العربية، كما صار إليه اليسار والقوميون. في حين ستصبح الكلمة للمتشددين، المتشددين فقط.

إن ملامح توجه المجتمع الأردني نحو التشدّد، هذا ما تكاد تتأكد منه وأنت تخاطب أشخاصاً من مختلف شرائح المجتمع، وتحديداً الشرائح الفقيرة، وهي النسبة الغالبة بين أوساط الأردنيين.

بحث عن متنفّس

بالنسبة إلى العنف، فهذا أمر غير جديد. أما الجديد، فهو انتقال التشدّد لفئات الشباب الناشط في العمل العام. شباب عرفوا باعتدالهم، لا يجدون اليوم سوى التشدّد متنفساً لنشاطاتهم، بعد أن أغلقت أمامهم كل الأبواب، أو هذا ما يقوله البعض، ومنهم القيادي اليساري د. فاخر دعاس منسق عام حملة «ذبحتونا» للدفاع عن حقوق الطلبة.

لكن ما على الدولة القلق منه ليس هذا فحسب، بل ما يجري في المجتمع الأردني من توجه نحو التشدد، يتخطى برنامج الإسلام السياسي.

إن الحراك، سواء داخل الجامعة أو في المجتمع الأردني، يتجهز اليوم ليكون خزاناً يجري خلاله تسخين الرأي العام نحو مزيد من التشدد، يدفعه إلى ذلك سلسلة من الروافع، منها سياسات الدولة ذاتها، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي.

ويجري كل ذلك في ظل غياب نهج معارض يمكن معه استيعاب أو تنفيس «حالة الرفض الشعبي»، أو حتى تنفسيها، في مقابل وجود حواضن سلفية جهادية مقاتلة، باتت تستقبل هذا التوجه لدى الرأي العام.

اليوم تجذب جبهة النصرة عدداً من شباب الإسلام السياسي المعروفين على نطاق شعبهم وأحيائهم كنشطاء حراكيين.

وكان السؤال الذي تعثر به الأردنيون، هو: من غرر بجهاد الغبن؟، وكيف تحوّل ناشط حراكي عرف بتقبله للجميع وقربه من جميع الأطياف باختلاف أفكارهم، إلى مقاتل في صفوف جبهة النصرة؟، وهل هو استثناء أم أنه شاهد على ما يجري للشباب في المجتمع الأردني؟.

قصة معان

أما معان، المحافظة البلدة المحاصرة بالصحراء من أربع جهات، شرقاً، حيث فقدان التنمية، وغرباً، حيث الفقر، وجنوباً، حيث البطالة، وشمالاً ، حيث اللا أمل، فقصة أخرى. هنا يبدو من الاستشراف الموضوعي أن يتشبث الشباب بحماية هويتهم المحلية، بعشائريتها، ومحافظتها، في البدء كانت معان، لكن البدء توقّف «هنا»، من دون بارقة أمل.

مشهد صار معتاداً، في بلد أعلن الحرب على «داعش»، بينما تدك طائراته قواعدها في العراق وسوريا. ليس عليك أن تستغرب، وأنت تمر في شوارع المحافظة، أن تقرأ على جدران بيوتها «داعش باقية». لكن من يعرف طبيعة معان، يدرك أن السلطات قادرة على إحكام سيطرتها على المدينة، سواء بالاحتواء أو بالظروف الموضوعية التي تحكم المدينة، من حيث جغرافيتها النائية أو عدد سكانها القليل، وليس أخيراً ابتعادها عن المركز.

تطمينات

يؤكد سياسيون ومراقبون أردنيون، أن المجتمع الأردني محصّن من الفكر الإرهابي، وأن الشوارع الأردنية محصنة هي الأخرى من تنظيم داعش، وجبهة النصرة خاصة، والفكر المتطرف عامة، لا تستقيم أمام السؤال التالي: من قال إن المجتمع السوري كان يوماً داعشياً؟ هنا، على الدولة أن تراعي ما كانت تفعله في السابق. التنفيس الشعبي الذي لم يعد سياسة مقبولة في النهج الجديد في التعاطي مع الشارع.